| وتمحيق صدقتهم ، وإن مكنوا بخرص ارتفق أرباب الأموال بتعجيل المنفعة ، وارتفق | المساكين بحفظ الصدقة ، فكان الخرص رفقا بالفريقين وفي المنع منه ضرر من وجهين ، فأما | الجواب عن خبر ابن جابر فهو وارد في البيع ، بدليل نهيه عن المزابنة وإرخاصه في العرايا أن | تباع بخرصها تمرا فيما دون خمسة أوسق ، وأما قولهم إن الخرص تخمين وحدس لاختلافه | فغلط ، إنما هو اجتهاد وليس وجود الاختلاف فيه لأنه اجتهاد ، وأما قولهم لما لم يجز الخرص | في الزروع لم يجز في الثمار ، فالفرق بينهما من وجهين :
أحدهما : أن للزرع حائلا يمنع من خرصه ، وليس لثمر النخل حائلا يمنع من خرصه .
والثاني : أن الحاجة غير داعية إلى خرص الزروع ، لأن الانتفاع بما قبل الحصاد غير | مقصود ، وأما قولهم لما لم يجز خرصها على الأرض بعد الجداد لم يجز قبله ، فالجواب عنه | من وجهين :
أحدهما : أن ما على الأرض يمكن كيله ، فلم يجز خرصه ، لأن الكيل نص والخرص | اجتهاد ، وما على النخل لا يمكن كيله فجاز خرصه ، لأن فقد النص مبيح للاجتهاد .
والثاني : أن ما على الأرض يمكن أخذ زكاته في الحال فلم يحتج إلى تقديره | بالخرص ، وما على النخل لا يمكن أخذ زكاته في الحال فاحتاج إلى تقدير بالخرص ، وأما | قولهم إن ما يقصد به من معرفة القدر باطل ومن التضمين فاسد ، فالجواب عنه أن يقال إنما | أبطلتم الخرص ، لأن رب المال لو ادعى غلطا أو نقصانا صدق وهذا فاسد بعد الماشية لأنها | تعد على ربها ولو ادعى غلطا يمكن مثله صدق ، وأبطلتم التضمين لأنه بيع رطب حاضر | بثمن غائب ، وهذا ليس ببيع من وجهين :
أحدهما : أن الزكاة تخرج من ثمرها لا من رطبها .
والثاني : أن ما ضمنه من الزكاة هو الواجب فيها ، لا أنه بدل الواجب منها ، فثبت جواز | الخرص بما ذكرنا والله أعلم . |
| فصل
: فأما ثمار البصرة فقد أجمعت الصحابة رضي الله عنهم وعلماء الأمصار على أن | خرصها غير جائز ، لكثرتها وما يلحق من المشقة ويلزم من المؤنة في خرصها ، ولما جرت | عادة أرباب الثمار بها من تفريق عظم ما يرد إليهم الثنيا منها وتجاوزهم فيه حد الصدقة ، | ولإباحتهم في تعارفهم الأكل منها للمجتاز بها ، فرأى السلف رضي الله عنهم أن تؤخذ | صدقتها من الكر حتى عند دخول ثمرها البصرة ، فيكون ذلك أرفق بأربابها وأحظى للمساكين | وأخذ الصدقة تمرا مكنوزا منها وقد قيل إنهم جعلوا الظروف ومؤنة العمل فيها عوضا عن |