والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه : أن الجمعة وشرائطها مرتبط بفعل النبي [ $ ] ومحدود | فيه ، فلا يتجاوز حكمها عن شرطه وفعله ، فكان مما وصف به الجمعة وجعله شرطا لها أن | عطل لها الجماعات وأقامها في مسجد واحد في أول الأمر وعند انتشار المسلمين وكثرتهم | ثم جرى عليه الخلفاء رضي الله عنهم بعده ، ولو جازت في موضعين لأبان ذلك ولو مرة | واحدة إما بقوله أو بفعله ، ولأنها لا تخلو من أحد أمرين : إما أن يصح انعقادها في كل | مسجد إلحاقا بصلاة الجماعة ، أولا يصح انعقادها إلا في مسجد واحد اختصاصا لها بتعطيل | الجماعة إذ ليس أصل ثابت ترد إليه ، فلما لم يصح انعقادها في كل مسجد ثبت أنه لا يصح | انعقادها إلا في مسجد واحد .
ولأنه مصر انعقدت فيه الجمعة فوجب أن لا ينعقد فيه غيرها كالجمعة الثالثة . ولأن | الله تعالى أمر بالسعي عند إقامتها ، فلو جاز إقامتها في موضعين لوجب عليه السعي إليهما ، | إذ ليس أحدهما أولى بالسعي إليه من الآخر ، وسعيه إليهما مستحيل ، وإلى أحدهما غير | جائز ، فدل على فساده .
ولأن الجمعة من الأمور العامة التي شرط فيها العدد والجماعة ، فوجب أن لا تنعقد في | موضعين ، كما لا تنعقد البيعة لإمامين . |
| ( فصل )
: إذا ثبت ما ذكرنا فالبلاد على ثلاثة أضرب :
أحدها : ما كان مدنا متقاربة وقرى متدانية اتصلت بنيانها واجتمعت مساكنها كبغداد | فيجوز أن تقام فيه الجمعة في موضعين وأكثر اعتبارا بحكم أهلها ، وقد دخل الشافعي بغداد | فلم ينكر ذلك عليهم .
والضرب الثاني من البلاد : ما كان مصرا لم يضم إليه غيره ، ويمكن جميعهم إقامة | الجمعة في موضع منه كالكوفة فهذا الذي لا يجوز أن تقام الجمعة في موضعين منه .
والضرب الثالث من البلاد : ما كان مصرا لم يضم إليه غيره ولكن لا يمكن جميعهم | إقامة الجمعة في موضع واحد منه لسعته وكثرة أهله كالبصرة فقد اختلف أصحابنا في إقامة | الجمعة في موضعين منه على وجهين .
أحدهما : لا يجوز لما سبق من الدلالة ، ويصلي الناس إذا ضاق بهم الشوارع و | الأفنية .
والوجه الثاني : قاله أبو إسحاق المروزي وأفتى به أبو إبراهيم المزني تجوز إقامة | الجمعة في مواضع بحسب الحاجة الداعية إليه ، لأنه لو لم يجز لأهل هذا المصر العظيم أن |