وقد ردت اليمين على عمر ، فحلف ، واستحق ، وردت على زيد بن ثابت ، | فحلف . وروي أن المقداد اقترض من عثمان بن عفان مالا ، قال عثمان : هي سبعة | آلاف ، فاعترف المقداد بأربعة آلاف ، وتنازعا إلى عمر ، فقال المقداد لعثمان : احلف | إنها سبعة آلاف ! فقال له عمر : لقد أنصفك ، فلم يحلف عثمان ، فلما ولى المقداد قال | عثمان : والله لقد أقرضته سبعة آلاف ، فقال له عمر : لم لم تحلف قبل أولى ؟ فقال : | وما علي أن أحلف ، والله إن هذه لأرض والله إن هذه لسماء ، فقال عثمان : خشيت أن | يوافق قدر بلاء ، فيقال : بيمينه ' .
وهذا مستفيض في الصحابة لم يظهر فيهم مخالف ، فثبت أنه إجماع .
فإن قيل : قد خالفهم علي بن أبي طالب عليه السلام فيما روي أن رجلا ابتاع من | رجل عبدا ، فأصاب به عيبا ، فترافعا إلى شريح ، فقال للبائع : احلف ، فقال : أرد | اليمين ، فقال شريح : لا ، فقال علي : قالون ، وهي كلمة رومية قيل : إن معناها جيد ، | فصوب بها امتناع شريح من رد اليمين ، فصار قائلا به ، ومنع هذا من انعقاد الإجماع .
قيل : هذه كلمة لا تعرف العرب معناها ، لأنها ليست من لغتهم ، ولو أراد ما ذكر | من معناها : لأفصح به ، ولعبر عنه بما يفهم منه ، على أن قوله : قالون بمعنى جيد ، | يحتمل أن يريد به أن ما قاله شريح جيد ، ويحتمل أن يريد به أن ما قاله البائع جيد ، | فلم يكن فيه مع هذا الاحتمال ، ما يمنع من انعقاد إجماع قد انتفى عنه الاحتمال . |
| ( فصل )
: ويدل عليه الاعتبار بالمعاني المعقولة من وجهين :
أحدهما : امتناع الحكم بالنكول .
والثاني : جواز رد اليمين .
فأما امتناع الحكم بالنكول فدليله من وجوه منها : أن إثبات الحق لا يكون بنفيه ، | لأنه ضد موجبه ، ومن الممتنع أن وجود الضد نافي لحكمه ، ومثبت لحكم ضده ، | كالإقرار لا يوجب إنكارا كذلك الإنكار لا يوجب إقرارا ، ويجري هذا الاستدلال | قياسا ، وإن كان الاستدلال أصح أنه إنكار ، فلم يثبت به حكم الإقرار ، كالتكذيب لا | يثبت به حق التصديق .
ومنها أنه نكول عن يمين ، فلم يجب بها قبول الحق كالحد والقصاص .
فإن قيل : النكول حجة ضعيفة ، فجاز أن يثبت بها أخف الحقوق دون أغلظها | كالشاهد والمرأتين يثبت بها الأموال ، ولا يثبت بها الحدود والقصاص .
قيل : إنما ضعف الشاهد والمرأتان لنقص النساء عن كمال الرجال ، والناكل عن |