تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومثاله في الشرع : الشهادات أمر الله تعالى فيها بقبول العدل ورد الفاسق ، وقد | علم أن أحدا غير الأنبياء لا يمحض الطاعة حتى لا يشوبها بمعصية من الصغائر ، ولا | أحد يمحض المعصية حتى لا يشوبها بشيء من الطاعات ، فوجب اعتبار الأغلب من | حاليه كما قال تعالى : ^ ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت | موازينه فأمه هاوية ) ^ [ القارعة : 6 : 9 ] . وإن كانت الطاعات أغلب عليه حكم بعدالته ، | ولا تأثير لما فيه من معصية ، وإن كانت المعاصي أغلب عليه حكم بفسقه ، ولا تأثير | لما فيه من طاعة .

وامتنع أبو حنيفة من هذا الضرب أن يكون قياسا ؛ لأن القياس ما استخرج علة | فرعه من أصله ، وهذا قد استخرج علة أصله من فرعه .

وهذا ليس بصحيح ، لأن صفة العلة مستخرجة من الفرع وحكم العلة مستخرج | من الأصل ، والجمع بينهما موضوع لحكم العلة دون صفتها .

ومثل هذا نقوله في الماء المطلق إذا خالطه مائع طاهر كماء الورد فلم يغيره | نظر : فإن كان الماء أكثر حكم له بالتطهير وإن كان فيه ما ليس بمطهر وإن كان ماء | الورد أكثر حكم بأنه غير مطهر وإن كان فيه ما هو مطهر .

فإن سلم أبو حنيفة هذا الحكم ولا أحسبه يمتنع منه وخالف في الاسم لم تضر | مخالفته في الاسم مع موافقته في معناه .

والضرب الثاني : أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين والصفتان | معدومتان في الفرع وصفة الفرع تقارب إحدى الصفتين وإن خالفتها .

مثاله في المعقول : أن يكون أحد الأصلين معلولا بالبياض والأصل الآخر معلولا | بالسواد والفرع أخضر ليس بأبيض ولا أسود فيرد إلى أقرب الأصلين شبها بصفته | والخضرة أقرب إلى السواد من البياض فيرد إلى السواد دون البياض .

ومثاله في الشرع قوله تعالى في جزاء الصيد : ^ ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) ^ | [ المائدة : 95 ] .

وليس المثل من النعم مشبها للصيد في جميع أوصافه ولا منافيا له في جميع | أوصافه فاعتبر في الجزاء أقرب الشبه بالصيد .

ومنع أبو حنيفة أن يكون هذا قياسا لأن القياس ما وجدت أوصاف أصله في فرعه | وأوصاف الأصل في هذا غير موجودة في الفرع فصار قياسا بغير علة .

وهذا ليس بصحيح ، لأن الحادثة لا بد لها من حكم والحكم لا بد له من دليل | فإذا لم يكن في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع دليل عليها لم يبق لها أصل غير | القياس فكان أقربها شبها بأصل القياس هو علة القياس . |

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ١٦ · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ١٦ · ص ١٥٠