| ولأن العقر من جميع المذكى معتبر ، وإنما يختلف في المقدور عليه وغيره باختلاف | المحل ، ولا يختلف باعتباره في بعضه وإسقاطه في بعضه وقد اعتبرتم العقر في | المقدور عليه وأسقطتموه في غير المقدور عليه ، وهذا مخالف للأصول .
ودليلنا قوله تعالى : ^ ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ) ^ | ( المائدة : 1 ) . قال ابن عباس ، وابن عمر : بهيمة الأنعام هي أجنتها إذا وجدت ميتة | في بطون أمهاتها يحل أكلها بذكاة الأمهات ، وهذا من أول أحكام هذه السورة التي هي | من أكثر الأحكام المشروعة ، والغالب من تأويلهم هذا أنهم لم يقولوه إلا نقلا .
ومن السنة ما رواه عاصم بن ضمرة عن علي - عليه السلام - ورواه عكرمة عن | ابن عباس ، ورواه نافع عن ابن عمر ، ورواية أبي الزبير عن جابر ، ورواية ابن سيرين | عن أبي هريرة : أن النبي [ $ ] قال : ' ذكاة الجنين ذكاة أمه ' .
فجعل إحدى الذكاتين نائبة عنهما ، أو قائمة مقامهما ، كما يقال : مال زيد مالي ، | ومالي مال زيد . يريد أن أحد المالين ينوب عن الآخر ، ويقوم مقامه .
فإن قيل : إنما أراد به التشبيه دون النيابة ، ويكون معناه : ذكاة الجنين كذكاة | أمه ، لأن قدم الجنين على الأم ، فصار تشبيها بالأم ، ولو أراد النيابة لقدم الأم على | الجنين فقال : ذكاة الأم ذكاة جنينها - ففيه ثلاثة أجوبة :
أحدها : أن اسم الجنين منطلق عليه ، إذا كان مستجنا في بطن أمه ، فيزول عنه | الاسم إذا انفصل عنها ، فيسمى ولدا . قال الله تعالى : ^ ( وإذ أنتم أجنة في بطون | أمهاتكم ) ^ ( النجم : 32 ) . وهو في بطن أمه لا يقدر على ذكاته ، فبطل أن يحمل على | التشبيه ، ووجب حمله على النيابة .
والثاني : أنه لو أراد التشبيه دون النيابة ، لساوى الأم غيرها ، ولم يكن لتخصيص | الأم فائدة ، فوجب أن يحمل على النيابة دون التشبيه ، ليصير لتخصيص الأم تأثير .
والثالث : لو أراد التشبيه لنصب ذكاة أمه لحذف كاف التشبيه ، والرواية | مرفوعة : ' ذكاة أمه ' فثبت أنه أراد النيابة دون التشبيه .
فإن قيل : فقد روي بالنصب : ' ذكاة الجنين ذكاة أمه ' .
- قيل : هذه الرواية غير صحيحة ، ولو سلمت لكانت محمولة على نصبها | بحذف ' ياء ' النيابة دون كاف التشبيه لما قدمناه ، ولأنه إثبات الذكاة ، لم يجز أن يحمل | على نفيها ، لأنهما ضدان ، ولا نفعل النفي من الإثبات كما لا نفعل الإثبات من | النفي ، ويكون معناه : ذكاة الجنين بذكاة أمه ، ولو احتمل الأمرين لكانتا مستعملتين ، | فتستعمل الرواية المرفوعة على النيابة إذا خرج ميتا ، وتستعمل الرواية المنصوبة على | التشبيه إذا خرج حيا ، فيكون أولى ممن استعمل إحداهما ، وأسقط الأخرى . |