تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاعتراض الثاني : قال : لم عرض عمر بما أسقط به الحد عن المغيرة وهو | واحد وواجب به الحد على الشهود وهم ثلاثة ؟ فقيل عنه ثلاثة أجوبة :

أحدها : أنه لما تردد الأمر بين قتل وجلد كان إسقاط القتل بالجلد أولى من | إسقاط الجلد بالقتل .

والثاني : أنه لما خالف الشهود ما ندبوا إليه من ستر العورات ، وخالفوا قول | رسول الله [ $ ] : ' هلا سترته بثوبك يا هزال ) كانوا بالتغليظ أحق من غيرهم .

والثالث : أن رجم المغيرة لم يجب إلا أن تتم شهادتهم ، وجلدهم قد وجب ما | لم تتم شهادتهم ، فكان إسقاط ما لم يجب أولى من إسقاط ما وجب .

الاعتراض الثالث : إن قالوا : إن الصحابة عدول ، وهذه الصفة لا تخلو من جرح | بعضهم وفسقه ، لأنهم إن صدقوا في الشهادة فالمغيرة زان ، والزنا فسق ، وإن كذبوا | فهم قذفة ، والقذف فسق ، قيل : هذه الصفة لا تمنع من عدالة جميعهم ، والخلاص من | قدح يعود على بعضهم ، أما المغيرة وهو المشهود عليه فقد قيل : إنه نكحها سرا فلم | يذكروه لعمر ؛ لأنه كان لا يرى نكاح السر ويحد فيه وكان يتبسم عند الشهادة عليه ، | فقيل له في ذلك فقال : لأن أعجب مما أريد أن أفعله بعد كمال شهادتهم ، فقيل : وما | تفعل قال : أقيم البينة أنها زوجتي .

وأما الشهود فلأنهم شاهدوا بظاهر ما شاهدوا فسلم جماعتهم من جرح وتفسيق ، | ولذلك أجمع المسلمون على قبول أخبارهم في الدين وأثبتوا أحاديثهم عن الرسول | [ $ ] وإن كان أبو بكرة إذا أتى بكتاب لم يشهد فيه وقال : إن القوم فسقوني ، وكان هذا | القول منه ثقة بنفسه ، فدلت هذه القصة من عمر رضي الله عنه على وجوب الحد على | الشهود إذا لم يكمل عددهم ، ويدل عليه من طريق المعنى شيئان :

أحدهما : أن الشهادة بالزنا أغلظ من لفظ القذف بالزنا ، لأنه يقول في القذف : | زنيت ولا يصف الزنا ، ويقول في الشهادة : أشهد أنك زنيت ويصف الزنا ، والقذف لا | يوجب حد المقذوف ، والشهادة توجب حد المشهود عليه ، ولما كانت الشهادة أغلظ | من القذف من هذين الوجهين كانت بوجوب الحد إذا لم تتم أولى .

والثاني : أن سقوط الحد عنهم ذريعة إلى تسرع الناس إلى القذف إذا أرادوه أن | يخرجوه مخرج الشهادة حتى لا يحدوا ، وفي حدهم صيانة الأعراض عن توقي القذف | فكان أولى وأحق ، وإن قيل بالقول الثاني أنهم على عدالتهم لا يحدون فدليله قول الله | تعالى : ^ ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ) ^ | [ النور : 4 ] ففرق بين القذفة والشهود فدل على افتراقهم في الحدود ، ولأن القذف | معرة والشهادة إقامة حق ، ولذلك إذا أكثر القذفة حدوا ، ولو كثر الشهود لم يحدوا ، | فاقتضى ذلك وقوع الفرق بينهم إذا قلوا كما وقع الفرق بينهم إذا كثروا ، ولأن حكم كل |

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ١٣ · الصفحة ٢٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ١٣ · ص ٢٣٢