تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| قد يكون بالمباشرة تارة ، وبالسبب أخرى ، فلما وجب القود بالمباشرة جاز أن يجب | بالسبب ، لأنه أحد نوعي القتل . |

| ( فصل )

فأما أبو حنيفة فقد وافق في وجوب القود على الإمام الآمر ردا على أبي | يوسف ، وأسقط القود عن المأمور المكره ، وسلبه حكم المباشرة ، فلم يوجب عليه | دية ولا كفارة ، وهذا أحد قولي الشافعي في سقوط القود .

وموجب تعليل البصريين في سقوط الدية والكفارة ، ومخالف لتعليل البغداديين | في وجوب نصف الدية والكفارة مع سقوط القود ، وهو مخالف للقول الثاني للشافعي | في جميع أحكامه ، لأنه يجري عليه حكم الإمام الآمر في وجوب القود والدية | والكفارة ، وأبو حنيفة يسلبه بالإكراه جميع أحكام الإمام استدلالا بقول النبي | [ $ ] : ' عفي لأمتي عن الخطإ والنسيان وما استكرهوا عليه ' ولأنه قتله لإحياء نفسه ، | فوجب أن يسقط عنه القود كالمقتول دفعا عن نفسه ، ولأن ما أوجب القتل بفعل | المختار سقط فيه القتل بفعل المكره كالزنا ، ولأن الإكراه قد نقل حكم المباشرة إلى | الآمر ، فوجب أن يزول حكمها عن المأمور ، لأن الفعل واحد ، ويصير المأمور فيه | كالآلة أو كالسبع المرسل والكلب الشلاء ، ولأن الإكراه يتنوع نوعين : إكراه حكم ، | وإكراه قهر ، ثم ثبت أن إكراه الحكم وهو إلجاء الحاكم إلى القتل بشهادة الزور يمنع | من وجوب القتل عليه مع أمنه على نفسه ، فكان إكراه القهر أولى أن يمنع من وجوب | القود مع خوفه على نفسه ، ولأن الإكراه يكون تارة على القول بأن يتلفظ بكلمة الكفر ، | وتارة على القتل بأن يؤمر بالقتل ، ثم ثبت أن حكم الكفر يزول بالإكراه فوجب أن | يكون حكم القتل يزول بالإكراه .

ودليلنا عموم قول الله تعالى : ^ ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه | سلطانا ) [ الإسراء : 33 ] ولأنه عمد ، قتله ظلما لإحياء نفسه ، فلم يمنع إحياؤه لها من | قتله قودا ، قياسا على المفطر إذا أكل من الجوع محظور النفس ، ثم هذا أولى بالقتل | من المضطر ، لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل ، وليس المأمور على يقين | من القتل إن لم يقتل ، وعلى أن الأصول تشهد لصحة هذا التعليل ، ألا ترى أن ركاب | السفينة إذا خافوا الغرق من ثقلها فألقوا بعضهم في البحر ليسلم باقيهم لزمهم القود ، ولو صادفهم سبع خافوا على أنفسهم فألقوا عليه أحدهم ليتشاغل به عنهم وجب عليهم | القود ، كذلك المكره المفتدي نفسه بغيره ، ولأنه لا عذر له في إحياء نفسه بقتل غيره ، | لأن حرمة غيره مثل حرمة نفسه ، فلم يكن إحياء نفسه بالغير أولى من إحياء الغير بنفسه | فاستويا ، وصار وجود العذر كعدمه ، فاقتضى أن يجب القود بينهما كوجوبه لو لم يكن | مكرها . |

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ١٢ · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ١٢ · ص ٧٤