تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الماوردي : إذا قتل الواحد جماعة إما في حال واحدة بأن ألقى عليهم | حائطا ، أو ألقاهم في نار ، أو غرقهم في سفينة ، أو قتلهم في أوقات شتى واحدا بعد | واحد وجب أن يقتل بأحدهم ، وتؤخذ من ماله ديات الباقين .

وقال مالك وأبو حنيفة يقتل بجماعتهم وقد استوفوا به حقوقهم ، ولا دية لهم في | ماله فإن بادر أحدهم فقتله كان مستوفيا لحقه وحقوقهم وبنى أبو حنيفة ذلك على | أصلين :

أحدهما : أنه في قتل العمد أنه لا يوجب غير القود ، وأن الدية لا تستحق إلا عن | مراضاة .

والثاني : أن القاتل إذا فات الاقتصاص منه بالموت لم يجب في ماله دية ، وقد | مضى الكلام معه في الأصل الأول ، ويأتي الكلام معه في الأصل الثاني ، واستدل في | هذه المسألة بأن الجماعة إن كانوا كفؤا للواحد إذا قتلوه قتلوا به ، وجب أن يكون | الواحد كفوءا للجماعة إذا قتلهم قتل بهم ، ولأن القصاص إذا ترادف على نفس واحدة | تداخل بعضه في بعض ، كالعبد إذا قتل جماعة ، وكالمحارب إذا قتل في الحرابة | جماعة ، ولأن القصاص حد ، فوجب أن يتداخل بعضه في بعض ، كحد الزنا والقطع | في السرقة ولأنهم اشتركوا في عين ضاقت عن حقوق جميعهم ، فوجب أن يكونوا فيها | أسوة كغرماء المفلس ، ودليلنا قول الله تعالى ^ ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) ^ | فمن جعل نفسا بأنفس خالف الظاهر وقال تعالى ^ ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه | سلطانا ) ^ ومن قتله بجماعتهم أبطل سلطان كل واحد منهم ، ولأنها جنايات لا يتداخل | خطأها فوجب أن لا يتداخل عمدها ، كالأطراف لأن واحدا لو قطع أيدي جماعة قطع | عندنا بأحدهم ، وأخذ منه ديات الباقين ، وعند أبي حنيفة يقطع يده بجماعتهم ثم يؤخذ | من ماله إن كانوا عشرة تسع ديات يد تقسم بين جماعتهم ، فصار هذا الاختلاف إجماعا | على أن لا تتداخل الأطراف ، ولأنها جنايات لا تتداخل في الأطراف فوجب أن لا | تتداخل في النفوس كالخطأ ، ولأن جنايات العمد أغلظ من الخطأ ، فلم يجز أن يكون | أضعف من موجب الخطأ ، ولأن حقوق الآدميين إذا أمكن استيفاؤها لم تتداخل | كالديون ، ولأن القصاص موضوع لإحياء النفوس .

كما قال تعالى ^ ( ولكم في القصاص حياة ) ^ فلو قتل الواحد بالجماعة لكان فيه | إغراء بقتل الجماعة ، لأنه لا يلتزم بعد قتل الأول شيئا في جميع من قتل ، وليسارع | الناس بعد ابتدائهم بالقتل إلى قتل النفوس ولم يكفوا ، ولم يصر القصاص حياة ، وهذا | استدلال وانفصال عن جمعه بين قتل الجماعة بالواحد ، وقتل الواحد بالجماعة . |

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ١٢ · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ١٢ · ص ١١٩