تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثاني : أن الحرمة تنتشر عن ارتضاع اللبن المخلوق لغذاء الولد ، وذلك | مخصوص فيما خلقه الله تعالى غالبا من ألبان النساء دون الرجال ، وصار لبن الرجل | أضعف حكما من لبن البهيمة التي لا ينتشر به حرمة الرضاع ، ولأن الرضاع تبع للولادة | فلما كانت المرأة محل الولادة ، وجب أن تكون محل الرضاع ، وإذا لم تنتشر الحرمة | بلبن الرجل فقد قال الشافعي : كرهت له إن كان المرضع بنتا أن يتزوجها لاغتذائها | بلبنه ، فإن تزوجها لم يفسخ نكاحه لعدم حرمته ، وإن أجرى على الخنثى حكم النساء | وأبيح له التزويج بالرجال انتشرت الحرمة عن لبنه قبل التزويج وبعده ، لأن لبن النساء | مخلوق للاغتذاء ، وليس جماع الرجل شرطا فيه وإن كان سببا لنزوله في الأغلب فصار | كالبكر إذا نزل لها لبن فأرضعت به طفلا انتشرت به حرمة الرضاع ، وإن كان من غير | جماع فلو حكم بانتشار حرمة اللبن بما أجرى عليه من أحكام النساء وتزوج رجلا ثم | ذكر ميله إلى طبع الرجال ، وقال أنا رجل ، نظر فإن كان ذلك بما ادعاه من انتقال | الشهوة لم يقبل منه ، لأنه متهوم فيه ، وكان على حكمه الأول في كونه امرأة ، وكان | الزوج على نكاحه لكن يقال له : نختار لك في الورع أن تفارقها إن صدقتها ، وإن كان | ذلك بالأمارات الظاهرة في البول والمني الذي لا يتهم فيه قبل منه ، ونقل عن أحكام | النساء إلى أحكام الرجال وانفسخ نكاح الزوج ، وبطل ما انتشر من حرمة الرضاع ، | وكرهنا له إن كان الولد بنتا إن يتزوجها وأبيح له أن يتزوج امرأة بعد أن تزوج برجل ، | وإن كان على إشكاله فقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه إذا فات البيان بالأمارات الظاهرة | والباطنة لتكافئها وعدم الشهوة المركوزة في الطبع صار نزول اللبن بيانا ، لأنه لا ينزل | في الغالب إلا من امرأة فاعتبر الإشكال بالأغلب منهما لا اللبن وأجرى عليه أحكام | النساء وانتشرت الحرمة عن لبنه ، وقد حكى هذا الوجه ابن أبي هريرة ، ومن ذهب إلى | هذا اختلف عنه في ظهور اللحية هل يصير بيانا عند عدم البيان ؟ على وجهين :

أحدهما : يصير بيانا كاللبن .

والثاني : لا يصير بيانا ، لأنه لما لم يكن عدم اللحية دليلا على الأنوثة لم يكن | وجودها دليلا على الذكورية ، والذي عليه جمهور أصحابنا وهو الظاهر من مذهب | الشافعي أنه لا يصير اللبن واللحية بيانا ، لأنهما قد يشترك فيهما الجنسان ، وإن كان | نادرا فلم يصر بيانا ، وإذا فات البيان ودام الإشكال وارضع بلبنه مولودا لم يحكم للبنه | بانتشار الحرمة ، لجواز أن يكون رجلا ، ولا يعدمها ، لجواز أن تكون امرأة ، وكان على | الوقف ما بقي على الإشكال ، لأن ما من وقت يحدث إلا وقد يجوز أن يحدث فيه ما | يزول به الإشكال فلأجل ذلك وقف والله أعلم . |

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ١١ · الصفحة ٤١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ١١ · ص ٤١٣