وقد قال الشاعر : |
% هو أزناهما بظنون أفا % % ليس ممن يقاد بالتقليد %
فرأى الناس ذلك قذفا للأم ، ولهذا الشعر حديث في هجاء بعض الأمراء قتل به | الشاعر فوضح بما ذكرته أنه صريح في قذف زوجته يحد فيه ولا ينوي ، وأما فلانة التي | جعل زوجته أزنى منها ، فيحتمل من لفظه فيها أحد أمرين ، إما الاشتراك وإما السلب ، | فالاشتراك كقولهم : زيد أعلم من عمرو فيكون شريكا بينهما في العلم وتفضيلا لزيد | على عمرو فيه ، وأما السلب فكقول الله تعالى : ^ ( أصحاب الجنة يومئذ خيرا مستقرا | وأحسن مقيلا ) ^ [ الفرقان : 24 ] . فكان ذلك سلبا للخير عن أهل النار ، لأنه لا خير لهم | فيها ، وإذا احتمل لفظه في فلانة الاشتراك والسلب صار كناية يرجع فيه إلى إرادته ، | فإن أراد الجمع والتشريك كان قذفا ، وإن أراد به السلب والنفي لم يكن قذفا ، وكذلك | لو لم تكن له أرادة . |
| ( فصل )
أما المسألة الثانية : فهو أن يقول لها : أنت أزنى الناس ، قال الشافعي : في | الجمع بينهما لم يكن قذفا إلا أن يريد به قذفا ، فجعله كناية في القذف [ فعلل ] أصحابنا | هذا الجواب حين تابعوه عليه ، بأنه شبهها بجميع الناس في المبالغة ، ونعلم يقينا أن | جميع الناس ليسوا زناة ، فيعلم كذبه يقينا فلم يكن قذفا صريحا ، والصحيح عندي أنه | يكون قذفا صريحا لأمرين :
أحدهما : أن لفظ المبالغة في الصفة إذا أضيفت إلى الجماعة فيهم مشارك فيها | مخالف حملت على المشارك في إثبات الصفة ، ولم تحمل على المخالف في نفيها ، | كما لو قال : زيد أعلم أهل البصرة ، - ومعلوم أن بالبصرة علماء وغير علماء - كان | محمولا على إثبات علمه في التشريك بينه وبين جهالها ، وكذلك قوله : أنت أزنى | الناس ، ومعلوم أن في الناس زناة وغير زناة ، فوجب أن يكون محمولا على مبالغة | إضافته إلى الزناة ، وليس في القذف أبلغ من هذا ، لأنه جعلها أزنى من كل زان .
والثاني : أننا لو أخرجنا هذا اللفظ من صريح القذف للتعليل الذي ذكروه من | تيقن كذبه لخرج بهذا التعليل من كناية القذف ، ولا يصير قاذفا وإن أراده ، لأن القذف | ما احتمل الصدق والكذب ، فأما ما قطع فيه بالصدق أو قطع فيه بالكذب فليس بقذف ، | ألا تراه لو قال لبنت شهر : زنيت ، لم يكن قذفا لاستحالته ، ولو قذف من ثبت زناها | لم يكن قذفا لاستحالته .
فإن قيل : فقد حكي عن المزني أنه لم يجعله قذفا وإن أراده فأخرجه عن صريح | القذف وكنايته تصحيحا لهذا التعليل . |