وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل.
وهؤلاء هم الفرقة المحقة، وقد نهجوا منهجاً قويماً، إلا أنهم ارتقوا مرتقى صعباً، وطلبوا مطلباً عظيماً، وسلكوا سبيلاً شاقاً، فلقد تشوقوا إلى مطمع ما أعصاه! وانتهجوا مسلكاً ما أوعره! ولعمري أن ذلك سهل يسير في بعض الأمور، ولكن شاق عسير في الأكثر. نعم، من طالت ممارسته للعلوم وكثر خوضه فيها، يقدر على التلفيق بين المعقول والمنقول في الأكثر بتأويلات قريبة، ويبقى لا محالة عليه موضعان:
موضع يضطر فيه إلى تأويلات بعيدة تكاد تنبو الأفهام عنها، (1) وموضع آخر لا يتبين له فيه وجه التأويل أصلاً، فيكون ذلك مشكلاً عليه من جنس الحروف المذكورة في أول السور، إذ لم يصح فيها معنى بالنقل، ومن ظن أنه سلم عن هذين الأمرين فهو إما لقصوره في المعقول وتباعده عن معرفة المحالات النظرية فيرى ما لا يعرف استحالته ممكنا، وإما لقصوره عن مطالعة الأخبار ليجتمع له من مفرداتها ما يكثر مباينتها للمعقول.
فالذي أوصيه به ثلاثة أمور:
(1) تنبو: تكلُّ وتبعد.