يبقى بل يزول إذ أتى عليه مدة من الزمان وان كانت من العلوم في درجة الكمال واعتقدت الحقائق على براهين يقينية ولكن تنتهج مناهج الشرع ولم تسلك سبيل الخيرات ولم يعمل بعلمها فهو معذب مدة ولكن يزول ولا يبقى ويبلغ بالآخرة درجة من السعادة بسبب العلم لأن هذه العوارض بمقتضى الشهوات وتلك تزول وان حصل له العلوم اليقينية إما على سبيل الفكر ونزه أخلاقه وحسنها وعمل بموجب الشرع فله الدرجة العليا في السعادة وله الوصول بلا انفصال وهو النظر إلى الجمال الحق والجلال المحض والكمال الصرف كما قال الله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فحق العاقل أن يسعى لطلب تلك السعادة ويحترز عن مضادها وعوائقها والله ولي التيسير والتوفيق
والنفس الانسانية اذا تجردت عن البدن ولم يبق لها علاقة إلا بعالمها فانه يجوز أن يكون فيها ما يكون بالعقل والرأي وسائر ما يعقل مما يليق بذلك العالم الذي هو عالم الثبات والكون بالفعل وهو عالم اتصال النفس بالمبادىء التي فيها هيئة الوجود كلها فتنتقش به فلا يكون هناك نقصان وانقطاع من الفيض المتمم حتى تحتاج أن يفعل فعلا ينال به كمالا ويقول قولا ينال به كمالا وذلك هو الفكر والذكر ونحوهما فانها تنتقش بنقش الوجود كله فلا يحتاج إلى طلب نقش آخر فلا يتصرف في شيء مما كان في هذا العالم وفي تحصيلها على هيئاتها الجزئية طالبة لها من حيث كانت جزئية والنفس الزكية تعرض عن هذا العالم وهي متصلة بعد بالبدن ولا تحفظ ما يجري فيه عليها ولا تحب أن تذكر فكيف الفائز بالتجرد المحض مع الاتصال بالحق والجمال المحض والعالم الأعلى الذي في حيز السرمد وهو عالم ثبات ليس عالم التجدد الذي في مثله يتأتى أن يقع الفكر والذكر وانما عالم التجدد عالم الحركة والزمان فالمعاني العقلية الصرفة والمعاني التي تصير جزئية مادية كلها هناك بالفعل وكذلك حال نفوسنا