دين الله برأيِنا (1)؟
وأردتَ أن أعرِّفَك غورَ (2) هذا الخلافِ وسرَّه وغايتَه وغائلتَه (3)، وأنه كيف نستجيز (4) مجاوزة التوقيف في الشرعِ بمجرَّدِ الرأيِ وهو في غاية البعد عن سَمْتِ (5) الاقتداء والاقتفاء والابتغاء؟ أو كيف ندرج الحكم بالرأي والقياس تحت التوقيف وهو بعيد عن وضع لفظ القياس؛ إذ السابقُ إلى الأفهام التقابلُ بين التوقيفِ والقياسِ حتى يقال: «الشرع إما توقيف أو قياس»؟
فأقول - كاشفًا للغطاءِ عن هذه المشكلة الظلماء -: ينبغي أن تعلم قطعًا أن قول القائل: «الشرع إما توقيف أو قياس» - على معنى وقوع التقابُلِ بينها - خطأ قطعًا، بل الشرعُ توقيفٌ كلُّه، وكلُّ قياسٍ هو مقابل للتوقيف - بمعني كونِه خارجًا عنه - فهو باطلٌ غيرُ ملتفَتٍ إليه.
بل أقول: من اعتقد أن معنى القياس هو إلحاق الشيءِ بمثله - بسببِ كونِه مِثْلًا له فقط - فهذا القياسُ باطلٌ لا مدخَل
له لا في الشرعِ ولا في اللغةِ ولا في العقلِ، وقد اختلف الناس في هذه المسائل
(1) () ... هذا اقتباس من قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آيةٍ من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم. أخرجه الطبري في مقدمة تفسيره 1/ 27، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 64، وعبد بن حميد (انظر: المعتبر / 225)، وابن حزم في الإحكام / 1018 - 1019.
(2) () ... غَوْرُ كلِّ شيءٍ: عمقه وبعده، ومنه يقال: فلان بعيد الغور، أي عارفٌ بالأمور، وغار في الأمر: إذا دقَّق النظر فيه. انظر: النهاية في غريب الحديث 3/ 393، ومختار الصحاح / 484، والمصباح المنير 2/ 110 (غرر).
(3) () ... أي: ما قد يكون فيه من مَكامِنِ الزلل والخطأ والخروجِ عن جادَّةِ الحق؛ لعمقه وبعده، يقال: أرضٌ غائلةُ النِّطاء، أي: تغول سالكيها ببعدها، وغائلة الحوض: ما انخرق منه وانثقب فذهب بالماء، والغوائل: الدواهي والمهالك. انظر: النهاية في غريب الحديث 3/ 397، ولسان العرب 14/ 20، 23 (غول).
(4) () ... في الأصل: يستجيز.
(5) () ... السمت: القصد والمحجة والطريق، يقال: هو يسمت سمته، أي: ينحو نحوه، ويقال: إنه لحسن السمت، أي: حسن القصد والمذهب في دينه ودنياه. انظر: لسان العرب 2/ 350، 351 (سمت).