الوصي على تعليمها إلى أن فني ذلك النزر اليسير الذي خلَّفه لهما أبوهما، وتعذَّر على الوصيِّ القيامُ بقوتهما، فقال لهما: «اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما، وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي فأواسيكما به، وأَصْلَحُ ما أرى لكما أن تلجآ إلى مدرسةٍ - كأنكما من طلبة العلم - فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما». ففعلا ذلك، وكان الغزالي يحكي هذا ويقول: «طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله» (1).
ثم: إن الغزالي قرأ طرفًا من الفقه ببلده على أبي حامد أحمد بن محمد الطوسي الراذكاني (2).
ودفعته همَّتُه إلى طلب آفاق أوسع، فسافر إلى جرجان، وهناك تتلمذ على أبي القاسم إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي (3)، وعلق عنه «التعليقة»، ثم عاد إلى طوس، وفي طريق العودة قُطعت عليه الطريقُ، وكاد ما دوَّنه من مذكراته وكتبه
أن يضيع، ولم يكن قد حفظه بعد، يقول الغزالي: فلما وافيتُ طوس أقبلتُ على الاشتغال ثلاثَ سنين حتى حفظتُ جميعَ ما علقته، وصرت بحيث لو قُطع عليَّ الطريق لم أتجرد من علمي (4).
ثم عاودته الرغبةُ في الطلب والتحصيل، فسافر من بلده إلى نيسابور، وهناك تتلمذ على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ولازمه، وجدَّ واجتهد حتي برع وتخرج (5).
(1) () ... انظر: طبقات الشافعية الكبرى 6/ 193 - 194.
(2) () ... انظر: المرجع السابق 4/ 91، 6/ 195، ووفيات الأعيان 4/ 317.
(3) () ... ذكر ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى 6/ 195: أنه أبو نصر الإسماعيلي، و هذاخطأ؛ لأن أبا نصر الإسماعيلي توفي سنة 405 هـ كما في طبقات الشافعية الكبرى 4/ 92.
(4) () ... انظر: طبقات الشافعية الكبرى 6/ 195 - 196.
(5) () ... انظر: وفيات الأعيان 4/ 217، وطبقات الشافعية الكبرى 6/ 196.