صفحة 78
ولذلك لم تجرِ عادةُ السلف بالدعوة بهذه المجادلات بل شددوا القول على من يخوض في الكلام، ويشتغل بالبحث والسؤال، وإذا تركنا المداهنة [8] ومراقبة الجوانب [9] صرَّحنا بأن الخوض في الكلام حرامٌ لكثرة الآفة فيه إلا لأحد شخصين:
رجل وقعت له شبهة ليست تزول عن قلبه بكلام قريب وعظيّ، [10] ولا بخبر نقليّ عن رسول فيجوز أن يكون القول المرتب الكلاميّ رافعاً لشبهته، ودواءً له في مرضه، فيُستعمَل معه ذلك ويُحرَس عنه سمعُ الصحيح الذي ليس به ذلك المرض، فإنه يوشك أن يحرّك في نفسه إشكالاً ويثير له شبهة تمرِّضُهُ، وتستنزله عن اعتقاده المجزوم الصحيح.
والثاني: شخص كامل العقل، راسخ القدم في الدين، ثابت الإيمان بأنوار اليقين، يريد أن يحصِّل هذه الصنعة ليداوي بها مريضاً، إذا وقعت له شبهة، وليُفحم بها مبتدعاً إذا نبغ، وليحرس به معتقده إذا قصد مبتدعٌ إغواءه. فتعلُّمُ ذلك بهذا