أحدنا قد تقع ، ولا نقول إنها تقع في كل حال على حسب قصده ، ولا يبدل ذلك على أنه خلقها فاخترعها . يؤكد ذلك أن البياض يحصل في الناطف عند قصد الناطفي له ، ولا يقول أحد إن واحدا منا يقدر أن يخلق لونا لغيره ولا لنفسه ، فلا يمتنع أن يكون الفعل قد يحصل على حسب قصد أحدنا ، وليس هو خلقا له ولا موجودا له ، من العدم إلى الوجود . فاعلم ذلك .
يؤكد هذا أيضا أن نمو الزرع يحصل على حسب قصد الزارع وقيامه عليه بسقيه وغير ذلك ، ولا يقول أحد إن نمو الزرع خلقه الزارع ، ولا أنه خلق في الحبة أضعاف عددها وكذلك ما حصل فيه النمو من الفسيل والتين . وغير ذلك .
وكذلك سمن الدابة يحصل على قصد العالف لها والساقي ، ولا يقول أحد إن العالف والساقي هو الذي خلق الشحم والسمن في الدابة . وكذلك دود القز يحصل منه القز على حسب قصد القائم عليه والمربي له ، ولا يقال إن القز خلقه في الدود إلا الله تعالى ، وإن كان حاصلا على حسب إرادة القائم عليه وقصده ، وكذلك فيما يحصل من الواحد منا إذا أراد الله تعالى حصوله على حسب قصده ، لا يدل على أنه هو خلقه بل الخالق له هو الله تعالى .
فإن قيل : فإذا لم يكن أحدنا خالقا لفعله ، فكيف يكون ملوما عليه ومعذبا به ويستحق عليه المدح والثواب أو الذم والعقاب ؟ فالجواب : إننا لا نقول أن المدح والثواب ، ولا الذم والعقاب يحصل بفعل الفاعل منا ؛ حتى يوجب ذلك كونه خلقا له واختراعا ، بل نقول : إن ذلك يحصل بحكم الله تعالى ، ويجب ويستحق بحكمه لا بأن يوجب الواجب عليه