تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وظهور الكثرة عن الواحد في نظرية ابن عربي حركة دائرية لا مستقيمة كحركة الصدورات الأفلوطينية: فعند الأول يصدر عن الواحد كل شيء ويعود إليه كل شيء في حركة لا نهاية لها، أما عند الثاني فلا تلحق حلقة من حلقات سلسلة الصدورات بحلقة أخرى ولا تعود إلى الواحد، وكأن ابن عربي يرد على أفلوطين وينكر عليه نظريته وهو يقول:

فكان خروجنا من العدم إلى الوجود به سبحانه، وإليه نرجع كما قال عز وجل:

وإليه يرجع الأمر كله . ألا تراك إذا بدأت وضع دائرة فإنك تبتدئ بها لا تزال تديرها إلى أن تنتهي إلى أولها، وحينئذ تكون دائرة؟ ولو لم يكن الأمر كذلك، لكنا إذا خرجنا من عنده خطا مستقيما لم نرجع إليه، ولم يكن يصدق قوله - وهو الصادق -

وإليه ترجعون . فكل أمر وكل موجود فهو دائرة تعود إلى ما كان منه بدؤها.

14

| وحدة الوجود والتجربة الصوفية

الغاية القصوى من الحياة الصوفية هي الوصول إلى الله عن طريق الحال التي يطلق عليها الصوفية اسم الفناء، وقد أفردنا لهذه الحال جزءا خاصا في الفصل الذي عقدناه عن «التوحيد». كما بينا كيف عالج قدماء الكتاب كأبي نصر السراج وأبي القاسم القشيري موضوع الفناء من حيث هو ظاهرة صوفية يجب أن تفسر على أساس أخلاقي أو نفساني أو أخلاقي ونفساني معا، وأنكروا أن يكون لهذه الحال صلة بدعوى فلسفية كالحلول أو الاتحاد أو الصيرورة: بمعنى أن الصوفي يفنى عن الأخلاق الذميمة ويبقى بالأخلاق الحميدة، ويفنى عن صفاته من علم وقدرة وإرادة ويبقى بصفات الله الذي له وحده العلم والقدرة والإرادة، وأخيرا يفنى عن نفسه وعن العالم حوله ويبقى بالله بمعنى أنه لا يشهد في الوجود إلا الله.

كان هذا هو المعنى الذي اتفق عليه جمهور الصوفية قبل أصحاب وحدة الوجود. فإذا ادعى أحد منهم أنه فني عن نفسه أو عن الخلق، كان معناه أنه غاب عن نفسه وعن الخلق، فلا علم له بهما ولا خبر، وأنه في هذه الغيبة يتصل بالحق ويشهده من غير حلول أو مزج أو صيرورة لأن الحق لا يحل في الخلق ولا يمتزج به ولا يصير أحد منهما الآخر، ولكن إذا تكلم ابن عربي عن «الفناء» و«البقاء» فماذا يعني؟ إن فكرة وحدة الوجود عنده سابقة على التجربة الصوفية لا العكس، بمعنى أن الوحدة ليست شيئا (يحصل) في التجربة، أو أن القول بوحدة الحق والخلق شيء (يستنتج) من التجربة. بل إن العكس هو الصحيح، وهو أن التجربة الصوفية يمكن استنتاج إمكانها من فكرة - أو قضية - وحدة الوجود. لا يقوم مذهب وحدة الوجود إذن على التجربة الصوفية، بل يقوم إمكان التجربة على المذهب: وهذا هو موقف أفلوطين أيضا.

1

كانت قضية وحدة الوجود نقطة الابتداء في مذهب ابن عربي، وجاءت التجربة الصوفية لتحققها وتشهد بصحتها، وذلك لأنه لما حاول أن يتغلب بطريقة عقلية على التناقض بين الوحدة والكثرة، وجد بطريق الذوق الصوفي تأييدا لرفع هذا التناقض، فأحال من لا يفهم كلامه على الذوق الصوفي كما هو شانه دائما في مثل هذه المواقف.

التجربة الصوفية إذن حال تتحقق فيها الوحدة الذاتية بين الحق والخلق من غير أن يحل أحدهما في الآخر أو يصير أحدهما الآخر بأي معنى من معاني الصيرورة إذ لا حلول ولا صيرورة هناك، وإنما هو تحقق لأمر موجود بالفعل هو الاتحاد أو الوحدة. فإذا تكلم ابن عربي عن الفناء والبقاء بالمعنى الصوفي فإنما يعني أن الفناء عن «الجهل» بالوحدة الذاتية للموجودات والبقاء ب «العلم» بهذه الوحدة، وإذا تكلم عنهما بالمعنى الفلسفي فإنما يعني فناء الصور الوجودية وبقاء الذات الواحدة المتجلية في هذه الصور، وهذه هي حركة الخلق المستمر الذي يسميه ب «الخلق الجديد»، وهو يرى أن الفناء والبقاء بهذا المعنى أكمل في تقرير الوحدة في حين أن الفناء الصوفي أكمل في الشهود.

التصوف: الثورة الروحية في الإسلام · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التصوف: الثورة الروحية في الإسلامص ٧٦