تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| التصوف والفلسفة

من بين الأساليب المتعددة التي حاولت الإنسانية أن تشبع بها رغبتها في معرفة «الحقيقة» أسلوبان هامان لا يزالان يتنازعان قصب السبق في مضمار الحياة الروحية وما يكتنفها من أسرار، وهما أسلوبا الفلسفة والتصوف.

وإذا كان غرضنا أن نرسم صورة لمعراج النفس نحو هدفها الأعلى ونبين - على الأقل - بعض الطرق التي سلكها رواد الحقيقة للوصول إليها، كان لزاما علينا أن نوضح الفروق الجوهرية التي يتميز بها كل من التصوف والفلسفة، والوسائل التي اصطنعاها في الوصول إلى غايتهما المشتركة، والأدوات النفسية التي اتخذاها عمادا لهما في تحقيق غرضهما، ثم نقدر بعد كل هذا النتائج التي حصلها الفلاسفة والصوفية بهذه الأدوات والوسائل ليتبين لنا مدى قرب كل من الفريقين أو بعده من الهدف الذي نصب نفسه للوصول إليه، ولكن هذه مسائل يحتاج تفصيلها إلى كتاب برمته؛ ولهذا سنلجأ في عرضها هنا إلى الإيجاز وسنقصر همنا على معالجة النواحي التي تكفي في بيان أن المعراج الروحي الحقيقي إلى عالم الحقيقة هو المعراج الصوفي لا الفلسفي.

التصوف في جوهره «حال» أو «تجربة روحية» خاصة يعانيها الصوفي، ولتلك الحال من الصفات والخصائص ما يكفي في تمييزها عن غيرها مما تعانيه النفس الإنسانية من أحوال أخرى، وفي هذا القدر وحده ما يكفي للقول بأن التصوف ليس فلسفة إذا قصدنا بالفلسفة البحث العقلي النظري في طبيعة الوجود بقصد الوصول إلى نظرية عامة خالية من التناقض عن حقيقته أو حقيقة أي جزء من أجزائه، وليس للصوفي - من حيث هو صوفي - أن يتفلسف بأن يتخذ من تجربته الروحية أساسا لنظرية ميتافيزيقية في طبيعة الوجود؛ لأن النظرية الميتافيزيقية «دعوى» يقال لها إنها صادقة أو كاذبة ويطالب صاحبها بالدليل على صدقها وسلامتها من التناقض، فينبغي ألا يكون أساسها «تجربة» شخصية أو «حالا» معينة يعانيها فرد بعينه؛ لأن مثل هذه الحال لا يقال فيها إنها صادقة أو كاذبة ولا يطالب صاحبها بإقامة الدليل عليها، بل الناس في أمره بين شيئين؛ إما أن يصدقوا ما يخبرهم به أو يضربوا بكلامه عرض الحائط.

ولكن بعض الفلاسفة كانوا متصوفة أيضا كأفلاطون وأفلوطين من القدماء وأسبنوزا من المحدثين، وبعض الصوفية كابن عربي والسهروردي الحلبي وابن سبعين، هل نذهب في تعليل ذلك إلى ما ذهب إليه بعض النقاد من أن أمثال هؤلاء الفلاسفة المتصوفين والصوفية المتفلسفين كان لهم بالفطرة «مزاج أفلاطوني»: أي مزاج فلسفي شعري، وأن تصوفهم كان نتيجة لتفاعل ذلك المزاج مع الدين؟ أم نذهب إلى عكس ذلك؛ أي إلى أن مزاجهم - مزاجهم الأفلاطوني - كان نتيجة للتفاعل بين نزعتين فيهم؛ إحداهما عقلية والأخرى صوفية؛ وعلى الرأي الأول يكون تصوفهم نتيجة لعمل فلسفي خاص في الدين، وهو المزاج الذي يسمونه بالمزاج الأفلاطوني، وعلى الثاني تكون فلسفة المتصوفة نتيجة لمحاولة العقل تفسير التجربة الصوفية وما تكشفه لصاحبها من الحقائق، ويلزم من هذا أن التجربة الصوفية سابقة في وجودها على حركة العقل التفسيرية هذه، ونحن أميل إلى الأخذ بالرأي الثاني؛ لأنه تؤيده الوقائع التاريخية المستخلصة من حياة الصوفية أنفسهم: وضع أفلوطين فلسفة عقلية أولا، فلما تصوف تجاوز حدود هذه الفلسفة وحاول أن يخضع فلسفته لتصوفه لا تصوفه لفلسفته؛ أي حاول أن يجعل من تصوفه تأييدا لفلسفته ومن فلسفته تفسيرا لما شاهده في «حاله»، وكذلك فعل ابن عربي، وكذلك رأى الغزالي أن «العلم» وحده لا يجعل من العالم صوفيا، وأن جميع ما حصله من العلوم - بما في ذلك علم التصوف نفسه - لا يغني فتيلا في تحصيل حالات الصوفية والوصول إلى معارفهم، وأنه - لكي يتذوق مذاق القوم - لا بد أن يسلك طريقهم ويجاهد مجاهداتهم، وفي هذا يقول في الصوفية بعد أن درس كتبهم ووقف على أقوالهم:

التصوف: الثورة الروحية في الإسلام · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التصوف: الثورة الروحية في الإسلامص ٥