22
الصنف الثاني هم الصوفية الذين يرون الأفعال كلها لله وأنه لا فعل لهم أصلا. وهم مثل العباد في الورع والزهد والتوكل، أهل خلق وفتوة، يظهرون في العامة بما ينالونه من الكرامات وخوارق العادات ولا يبالون بإظهار أي شيء يؤدي إلى معرفة الناس بمنزلتهم من الله لأنهم لا يشاهدون - في زعمهم - إلا الله. وهم بالنسبة إلى الملامتية أهل رعونات وأصحاب نفوس، وتلامذتهم مثلهم أصحاب دعاوى يظهرون الرياسة على عباد الله.
23
والصنف الثالث الملامتية وهم رجال قطعهم الله إليه وصانهم صيانة الغيرة عليهم لئلا تمتد إليهم عين فتشغلهم عن الله: «قد انفردوا مع الله راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم طرفة عين، لا يعرفون للرياسة طعما لاستيلاء الربوبية على قلوبهم، وليس ثم من حاز مقام الفتوة والخلق مع الله دون غيره سوى هؤلاء ...»
24
أما الصفات التي اختص بها الملامتية كما يفهمهم ابن عربي فهي أنهم رجال لا يتميزون عن سائر المؤمنين المؤدين فرائض الله بحالة زائدة يعرفون بها، فهم لا يزيدون على الصلوات الخمس إلا الرواتب، يمشون في الأسواق ويتكلمون مع الناس، يؤدون الفرائض مع الخلق ويدخلون في كل بلد بزي أهل ذلك البلد، لا يتوطن أحد منهم في المسجد، وتختلف أماكنهم في المسجد الذي تقام فيه الجمعة حتى يضيعوا في غمار الناس، وإذا تكلموا راقبوا الله في كلامهم، يقللون من مجالسة الناس إلا من جيرانهم حتى لا يشعر أحد بهم، ويقضون حاجة الصغير والأرملة، ويلاعبون أولادهم وأهلهم بما يرضي الله، ويمزحون ولا يقولون إلا حقا.»
25
وهذا وصف لا يختلف عن وصف السلمي للملامتية؛ مما يرجح أن ابن عربي أخذ مادته منه، وإن كان ابن عربي - كعادته - يتخذ من الملامتية شيعة لمذهبه في وحدة الوجود. ومن الواضح أنه خالف كل من سواه في فهمه لمعنى «الملامتي» حيث فهم «الملامة» على أنها مقام من مقامات الصوفية، بل اعتبرها أعلى المقامات، كما اعتبر الملامتية أكابر أهل الله «الذين حلوا من الولاية في أقصى درجاتها، وما فوقهم إلا درجة النبوة.»
26
وأما أبو حفص عمر السهروردي فالظاهر من مقارنته بين الصوفية والملامتية أنه يفضل الصوفية ويضعهم في منزلة من الحياة الروحية فوقهم؛ لأن حال فناء الصوفي عن كل ما سوى الله - بما في ذلك نفسه - أفضل في نظره من حال الملامتي الذي لا تزال تربطه بالخلق وبنفسه رابطة وهي شعوره بنفسه وبالخلق. وقد أشرنا في غير ما موضع من هذا البحث إلى كراهية الملامتية للدعاوى وإنكارهم أحوال الجذب والسكر ونحوهما، فمن الطبيعي لقوم هذا شأنهم ألا يتكلموا عن «الفناء» وهو أقصى حالات الجذب، ولا أن تبدر منهم الدعاوى التي تبدر من زملائهم الصوفية في مثل هذه الحالات. وإذا ادعى الصوفي الفناء عن الخلق أو عن نفسه وأعمالها، فإنه شاعر أبدا بالخلق وبنفسه قوي الملاحظة لهما، لا يغفل عن نفسه وتأنيبها واتهامها؛ لأنه - كما يقول السهروردي - «عظم وقع الإخلاص وموضعه وتمسك به، والصوفي غاب في إخلاصه.»
27
فالإخلاص حال الملامتي، ومخالصة الإخلاص حال الصوفي، وثمرة مخالصة الإخلاص فناء العبد عن رسومه برؤية قيامه بقيومه، بل غيبته عن رؤية قيامه، وهو الاستغراق في العين عن الآثار.
28
وإنني أرى أن عدم ذلك الاستغراق في الله، وعدم الغيبة عن النفس والعالم المحيط بها قد كانا الحائل المنيع الذي سد على الملامتية باب القول بوحدة الوجود أو بالحلول أو الاتحاد أو المزج أو ما شاكل ذلك من الأقوال التي شاعت على ألسنة الصوفية الذين تكلموا في الفناء، وبخاصة صوفية العراق والشام؛ فإنهم باسترسالهم في الكلام عن الفناء عن الخلق والبقاء بالحق، وباستغراقهم التام في الحق وغفلتهم التامة عن كل من سواه وما سواه، زلت أقدامهم من حيث لا يشعرون فوقعوا في القول بوحدة الوجود أو ما شابهه. ويظهر أن القول بالاتحاد والحلول ووحدة الوجود كان في معظم الحالات من لوازم القول بالفناء؛ ولذلك لا نجد في كلام رجال الملامتية - الأولين على الأخص - شيئا عن الفناء ولا عن وحدة الوجود ونظائرها.