43
عن طريق الملامة، قال: ترك التزين للخلق بكل حال وترك طلب رضاهم في نوع من الأخلاق والأفعال، وألا يأخذك فيما لله عليك لومة لائم بحال. قال عبد الله بن المبارك
44
حين سئل عن الملامة، فقال: هم قوم لم يكن لهم في الظاهر آيات للخلق ولا لهم في باطنهم دعوى مع الله تعالى، وسرهم الذي بينهم وبين الله عز وجل لا تطلع عليه أفئدتهم ولا قلوبهم. قال: وسمعت جدي إسماعيل
45
بن نجيد يقول: لا يبلغ الرجل شيئا من مقام القوم حتى تكون أفعاله كلها عنده رياء وأحواله كلها دعاوى. وسئل بعض مشايخهم: ما أول هذه القصة؟ فقال: تذليل النفس وتحقيرها ومنعها عما تسكن إليه، أو يكون لها فيه راحة وإليه ركون، وتعظيم الخلق وحسن الظن لهم وتحسين قبائحهم وتحقير النفس وتذليلها وسوء الظن بها. وحضر بعض المشايخ مع حمدون القصار في مجلس، فجرى فيه ذكر بعض أخدانهم فقيل: إنه كثير الذكر، فقال حمدون: ولكنه دائم الغفلة، فقال له بعض من حضر: أليس يجب عليه شكر ما أنعم الله عليه بأن وفقه للذكر باللسان؟ فقال: أولا يجب عليه رؤية تقصيره في غفلة القلب عن الذكر؟
قال رحمه الله: ورأيت في كتاب كتبه أبو حفص إلى شاه الكرماني
46
فقال له: اعلم يا أخي أن من لم يعرف فاقة نفسه وعجزه في جميع ما يبدو منه من الطاعات، ليشوبها بالرياء، ومن لم يستعمل الترقي ويجعله زماما لنفسه في جميع أحواله، ثم يعلم أنها (أي النفس) وإن لانت أنها الأمارة بالسوء لا تنقاد لطاعة إلا وتضمر فيها خلافا، فيقابلها بالملامة في جميع أوقاته ولا يدعها تستقر في حالة من أحوالها، فقد أخطأ النظر في نفسه. وحكى عن يحيى بن معاذ
47
أنه قال: من أخلص لله لا يحب أن يرى شخصه ولا يحكى قوله. وسئل بعضهم عن أحوال القوم، فقال: هم قوم تولى الله حفظ أسرارهم وأسبل على أسرارهم ستر الظاهر، فهم مع الخلق من حيث الخلق، ولا يفارقونهم في أسواقهم ومكاسبهم، ومع الله سبحانه من حيث الحقيقة والتولي، [49ب] فباطنهم يلوم ظاهرهم على الانبساط مع الخلق والكون معهم برسوم العوام، وظاهرهم يلوم باطنهم بأنه ساكن في مجاورة الحق وغافل عما فيه الظاهر من معاشرة الأضداد، وهذا من أحوال الأئمة والسادة. قيل لأبي يزيد: ما أعظم آية العارف؟ قال: أن تراه يؤاكلك ويشاربك ويمازحك، ويبايعك ويشاريك، وقلبه في ملكوت القدس؛ هذا أعظم الآيات. وقال أبو يزيد:
48
من صدق في عين الجمع بالحرية كان لازما بجوارحه على أدب العبودية وبصيرته في مشاهدة الحق، ومن كان في عين الافتراق فإنه يجمع جمع المجتهدين في عبوديته ويكون ذلك كالهباء. قال: وسمعت عبد الرحمن بن محمد
49
يقول: سألت عبد الله الخياط
50
عن «الملامة» فقال: من يفرق بين ملامته لنفسه وملامة الغير له، ويتغير عنده الحال والوقت في ذلك، فهو بعد في رعونة الطبع، ولم يبلغ درجة القوم. وسئل بعضهم: من يستحق اسم «الفتوة»؟ فقال: من كان فيه اعتذار آدم، وصلاح نوح، ووفاء إبراهيم، وصدق إسماعيل، وإخلاص موسى، وصبر أيوب، وبكاء داود، وسخاء محمد
صلى الله عليه وسلم ، ورأفة أبي بكر، وحمية عمر، وحياء عثمان، وعلم علي؛ ثم مع هذا كله يزدري نفسه ويحتقر ما هو فيه، ولا يقع بقلبه خاطر مما هو فيه أنه شيء، ولا أنه حال مرضي، يرى عيوب نفسه ونقصان أفعاله وفضل إخوانه عليه في جميع الأحوال. قال: ورأى أبو حفص بعض أصحابه وهو يذم الدنيا وأهلها، فقال: أظهرت ما كان سبيلك أن تخفيه، لا تجالسنا بعد هذه ولا تصاحبنا. وسمعت أبا أحمد بن عيسى
51
يقول: سمعت أبا زكريا السنجي يقول: الأحوال أمانات عند أهلها، فإذا أظهروها فقد خرجوا من حد الأمناء. قال: وأنشد محمد بن الحسن
52
لبعضهم في معناه:
من سارروه فأبدى السر مشتهرا
لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وجانبوه ولم يسعد بقربهم