وكان أميا من قوم أميين , لا يعرف لا هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب التوراة والإنجيل , ولم يعرف شيئا من علوم الناس , ولا جالس أهلها ولم يدع نبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها , وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره , وأخبر بأمور لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثلها ولم يعرف قبله ولا بعده في مصر من الأمصار ولا في عصر من الأعصار من أتى بمثل ما أتى به , ولا من دعا إلى شريعة أكمل من شريعته , ولا من ظهر دينه على الأديان بالعلم والحجة وباليد والقوة كظهوره. ثم إنه اتبعه أتباع الأنبياء وهم ضعفاء الناس , وكذبه أهل الرياسة وعادوه وسعوا في هلاكه وهلاك من اتبعه بكل طريق , كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء وأتباعهم , والذين اتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم ولا جهات يوليهم إياها , ولا كان له سيف بل كان السيف والجاه والمال مع أعدائه , وقد آذوا أتباعه بأنواع الأذى وهم صابرون محتسبون , لا يرتدون عن دينهم لما خالط قلوبهم من حلاوة الإيمان والمعرفة. وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فتجتمع في الموسم قبائل العرب , فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة , ويدعوهم إلى الله صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب وجفاء الجافي وإعراض المعرض , إلى أن اجتمع بأهل يثرب , وكانوا جيران اليهود قد سمعوا أخباره منهم وعرفوه , فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذي تخبرهم به اليهود , وكانوا قد سمعوا من أخباره ما عرفوا به مكانته , فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة فآمنوا به وتابعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم وعلى الجهاد معه , فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة وبها المهاجرون والأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية ولا برهبة إلا قليلا من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم.
وجوب التعاون بين المسلمين - السعدي · الصفحة ٨٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
وجوب التعاون بين المسلمين - السعديص ٨٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي