تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالإيمان ببعض الرسل والكفر ببعض الرسل كفرٌ بجميع الرسل، أليس كذلك؟ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105] وليس ثَمَّ إلا نوحٌ عليه السلام لأنهم كذَّبوا نوحًا وهو رسول فتكذيبهم لنوح تكذيبًا لجميع الرسل، ويقولون ﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ [النساء: 150، 151] يتوعد تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليلٍ قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل لمجرد الهوى والعصبية، فاليهود آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمدٌ عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن كفر بنبيٍّ من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجبٌ بكل نبيٍّ بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته بالحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًّا، لو آمن بجميع الأنبياء إلا بعيسى عليه السلام نقول: هذا الإيمان ليس شرعيًّا لماذا؟ لأن الإيمان الشرعي بالرسل أن تؤمن بجميع الرسل، فلو آمنت بالجميع إلا واحدًا فلن تأتي بالإيمان المطلوب شرعًّا، فمن رد نوبته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًّا إنما هو عن غرضٍ وهوى وعصبية، لهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ فوسهم بأنهم كفارٌ بالله ورسله عّمَّمَ هنا ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي في الإيمان ﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ أي: طريقًا ومسلكًا، ثُمَّ أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أي كفرهم محققٌ لا محالة فيه بمن ادَّعوا الإيمان به لأنه ليس شرعيًّا ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ كفروا بمن بالجميع، أي كفرهم محققٌ لا محالة بمن ادَّعوا الإيمان به لأنه ليس شرعيًّا إذ لو كانوا مؤمنون به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره وهذا واضحٌ لآمنوا بنظير هذا رسولٌ من عند الله عزّ وجل فآمنتم به، وهذا كذلك رسولٌ من عند الله وأقام البراهين على صدقه وجب الإيمان به، لأنكم آمنتم بالأول لكونه رسولاً، والعلة موجودة في الثاني فحينئذٍ لزم منه طرد الحكم. إذ لو كانوا مؤمنين به بكونه رسول الله لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلاً وأقوى برهانًا منه أو نظروا حق النظر فيه ثبوته، وقد خالف هديهم هدي نبينا - صلى الله عليه وسلم - فآمن بجميع الأنبياء، ولم يفرق بين أحدٍ منهم.

شرح مسائل الجاهلية · الصفحة ٣٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مسائل الجاهليةص ٣٨٩