تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمشركو قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، وكانوا يقولون ﴿أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: 53] أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيرًا ويَدَعُنَا، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: 11] وهذا من اغترارهم بالدنيا لعظمتها في أنفسهم ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 70] فبين تعالى أن الحياة الدنيا غرتهم فظنوا أن عطاء الله تعالى يدل على رضاه عنهم - كما مر معنا - كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: 35].

وقد بين شرعنا حقارة الدنيا وأنها ليست بشيء وأن المقياس الصحيح هو العلم والعمل، وهذا ينبغي أن ينتبه إليه، لا تحكم على شخصٍ لا تزكي شخصًا إلا بناءً على العلم والعمل، والعلم وحده لا يكفي حتى يقرنه بالعمل، وأما إطلاق الكلام وإطلاق التزكيات هذا ليس من الشرع في شيء، إن الميزان هو العلم والعمل، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ... [الحديد: 20] أي: لمن اغتر بها ولم يعمل لآخرته، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: 5] الشيطان، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131] والآيات في بيان حقارة الدنيا كثيرة جدًا في القرآن. قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء». فليس المقياس هو الدنيا، وليس المقياس إلا العلم والعمل الصالح.

شرح مسائل الجاهلية · الصفحة ٣٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مسائل الجاهليةص ٣٥٥