الأول قوله تعالى أنهم قالوا: (﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾)، يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار (﴿إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾) ثم ينجون منها يخرجون من النار. وعن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما أن اليهود قالوا: لن تسمنا النار إلا أربعين ليلة. هم يشركون بالله تعالى عبدوا العجل ومع ذلك يقولون: لن تمسنا النار إلا أربعين يومًا. من أين لكم؟ هذا تخيِيل وهذا تخمين وظنّ، بل هو كذبٌ، لن تسمنا النار إلا أربعين ليلةً زاد غيره وهي مدة عبادتهم العجل. يعني: عبدوا العجل وأشركوا بالله تعالى أربعين يومًا، إذًا حينئذٍ يعذبون في النار مدة الأربعين ثم يخرجون منها! من أين لكم هذا؟ [أنتم متم على] أنتم إن متم على هذا متم على الشرك، حينئذٍ كيف يدعون ذلك؟ نقول: هذا أمانِيّ، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قومٌ آخرون يعني: يخرجون ثم تأتي النيابة لمن بعدهم يعنون محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بيده على رؤوسهم «بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحدٌ» فنزلت الآية نزلت الآية، فرد الله تعالى عليهم لما قالوا: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 80]. أي: هل اتخذتم عند الله عهدًا من أين لكم هذا؟ هل بينكم وبين الله تعالى عهد والله تعالى لا يخلف عهده؟ ليس بينكم ذلك، بل هو دعوى وافتراء على الله، أي: هل ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا﴾ بذلك فإن كان وقع عهدٌ فهو لا يخلف عهده جل وعلا ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى بـ ﴿أَمْ﴾ التي بمعنى بل، أي: بل ﴿تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ تفترون الكذب على الله بل ﴿تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ من الكذب والافتراء عليه وهذه الآية مثلها قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: 24] على ما سبق تفسيره، ثم قال تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم ﴿إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم واختلقوه ولم يُنْزِل الله تعالى به سلطانًا، قال الله تعالى: متهددًا لهم ومتوعدًا ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 25].
شرح مسائل الجاهلية · الصفحة ٣١٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح مسائل الجاهليةص ٣١٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي