وهذا مما خالف فيه - صلى الله عليه وسلم - بل شريعته عليه الصلاة والسلام خالفت أهل الجاهلية فأمر بِسِتْرِ العورة أو سَتْرِ العورة مطلقًا في العبادات وفي غيرها، وقد حرم الله تعالى كشف العورات والنظر إليها، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. فُسِّرَ المسجد هنا بالصلاة ونحوها، والزينة هنا تشمل ستر العورة فهي ستر العورة وزيادة ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 31 - 33]. فقوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. أي: ثيابكم لمواراة عوراتكم عند طواف أو صلاة، وهذه الآية سبب نزولها ما سبق من كشف العورات عند الطواف، وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾. أي مما طاب لكم، وهذه تؤيد المسألة السابقة.
قال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتًا، ولا يأكلون إلا دسمًا في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله تعالى الآية السابقة، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾. من الثياب وكل ما يتجمل به وخلقها لنفعهم من الثياب كـ: القطن، والكتان، والحيوان. كـ: الحرير، والصوف. ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ أي: المستلذات، وقيل: المحللات من المآكل والمشارب كـ: لحم الشاة، وشحمها، ولبنها. وهذه الآية بما تضمنته من شرح المسألة الثانية كذلك هي شارحة للمسألة السابقة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل». وهذا نهي والنهي يقتضي التحريم، «ولا المرأة إلى عورة المرأة». وهذا كذلك نهي والنهي يقتضي التحريم، «ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد». لأنه قد يؤدي إلى الوقوع في الفاحشة، «ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد». أخرجه مسلم، إذًا (التعبد بكشف العورات) من سَنَنِ وخصال أهل الجاهلية التي جاء الشرع ببطلانها وتحريمها، فحرم الله عز وجل كشف العورات إلا عند الضرورة كطب ونحوه.
(المسألة السابعة والثلاثون: التعبد باتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله).