أولاً شهد بذلك لنفسه، (﴿شَهِدَ اللهُ﴾)، وشهد بذلك الملائكة وهم عُمّار السماء، وشهد له بذلك أولوا العلم من الثَّقلين، وأولى من يدخل فيهم هم الرسل والأنبياء. (﴿قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾) قائمًا هذا حال لازمة، من قوله: (﴿شَهِدَ اللهُ﴾) من فاعل شهد، أو من قوله: (﴿هُوَ﴾) يحتمل هذا وذاك ففيه وجهان، (﴿قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾) أي بالعدل، فشهد لنفسه بالوحدانية، وشهد لتمام عدله وأنه قائم بالعدل في القول والفعل والحكم، ثم أكَّدَ هذا المعنى بقوله: (﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾). جل وعلا (﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾) العزيز الذي لا يُرام جنابه عظمةً وكبرياءً، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
إذًا نقول: هذه الآية دلت على أنه جل وعلا هو المستحق للعبادة دون ما سواه من الآلهة الباطلة، ودل على ذلك قوله: (﴿شَهِدَ﴾) لأنه أخبر وأعلم بأنه لا معبود حق إلا الله وهذا يتضمن أمر العباد باعتقاد ذلك وصرف العبادة لله جل وعلا.
ثم قال رحمه الله: (وَمَعْنَاهَا). أي معنى هذه الكلمة، أراد أن يفسر لنا (﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾) كلمة التوحيد، ما معناها؟
قال: (وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلاَّ اللهُ) لا إله إلا هو، فَسَّر الإله بالمعبود، وقدَّر الخبر حق.
فحينئذٍ نقول: لا إله إلا الله هذه جملة اسمية، لأن (لا) هذه (لا) لنفي الجنس وتسمى (لا) التبرئة، لأنها برَّأت اسمها من حكم خبرها، لا رجل قائم، برّأت الرجل من صفة القيام، لا رجل قائم في الدار، أو لا رجل في الدار، برَّأته من الكينونة في الدار. فلا نافية للجنس، نافية لحكم الخبر عن الجنس، لأن الذوات لا تُنْفَى، وإنما الذي يُنفى هو صفات الذوات، لو قيل: لا رجل. يعني لا من يتصف بهذه الصفة، وأما الوجود فلا ينفى هذا هو الأصل وإنما يُنْفَى الفعل. ويقال لها (لا) التبرئة لأنها تبرئ الجنس عن الحكم الخبر.
إله، فِعَال، مصدر أَلِهَ يَأْلَه إِلاهَةً بمعنى عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَة، لأن أَلِهَ مأخوذ من الإلوهية، والإلوهية كما سبق بمعنى العبودية، فالتأله هو التعبد، والتأليه هو التعبيد، والإلوهية بمعنى العبودية. فحينئذٍ إله نقول: هذا فِعَال. هل هو بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟
الثاني، أنه بمعنى اسم المفعول، فإله فعال بمعنى مفعول، فهو مألوه، إله مألوه، ومالوه بمعنى معبود.
إذًا الإله في اللغة لغة العرب بمعنى مألوه، أي معبود، وهذا له نظائر، إمام بمعنى مؤتم به، وكتاب بمعنى مكتوب، وغراس بمعنى مغروس، وفراش بمعنى مفروش، كثير هذا في لسان العرب؟