ممدوح، وأوقفه هنا وعلَّقه على ماذا؟ على الرجاء ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا﴾ إذًا ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ وهذا العمل الصالح ثمرته الجنة، إذًا امتدح من قام بالرجاء فترتب عليه العمل الصالح، فمن كان يرجو لقاء ربه حينئذٍ ما النتيجة؟ قال: ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ والفاء هذه وقعت في جواب الشرط، وجواب الشرط يدل على ماذا؟ على أن ما بعدها مسبب عما قبلها، لأن فيها معنى السببية. ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ إذًا امتدح الله جل وعلا من قام به فدل على أن هذا الرجاء ممدوحًا فهو مرضيٌّ فيصدق عليه حينئذٍ حد العبادة، هو هنا لم يأمر به في الآية، وإنما امتدح من قام به، وسبق أن الله جل وعلا إذا امتدح الفعل، أو امتدح الشخص الذي اتصف بوصفٍ ما حينئذٍ دل على أنه مرضي وأنه محبوب، وإذا دل على أنه مرضيّ وأنه محبوب ثبتت العبادة. اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. حينئذٍ ثبتت المحبة فثَمَّ العبادة، والدليل على أن صرفه لغير الله يكون شركًا الآيات العامة السابقة.
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ ومنه الرجاء ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: 18] فصار دليلاً عامًّا مع دليلٍ خاص، النتيجة أن من صرف عبادة الرجاء المقرونة بالذل والخضوع لغير الله جل وعلا صار مشركًا الشرك الأكبر. من رجا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك الشرك الأكبر.
ثم قال: (وَدَلِيلُ الْتَوَكُّلِ). هذه العبادة الرابعة وهي من العبادات القلبية، يقال: توكل واتكل وهو في اللغة مداره على الاعتماد والتفويض، التوكل في اللغة التفويض والاعتماد. وفي الشرع الاعتماد على الله تعالى لجلب خير أو دفع شر. حينئذٍ نقول: لا بد للتوكل من أركان يقوم عليها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أركان التوكل ثلاثة:
- الاعتماد على الله تعالى، هذا الأول: الاعتماد على الله تعالى يعني يفوض أمره إلى الله.
الثاني: الثقة به بالله جل وعلا.
الثالث: الأخذ بالأسباب المشروعة. يعني الأسباب التي شرعها الرب جل وعلا، إما من جهة القدر، وإما من جهة الشرع، لأن ثَمَّ أسباب شرعية وثَمَّ أسباب قدرية. الأسباب الشرعية مثل ماذا؟ الصلاة سبب لدخول الجنة، هذه أسباب شرعية، كل عبادة فهي موصلة إلى مرضاة الرب جل وعلا، فحينئذٍ نقول: هذه
أسباب كل العبادات، نقول: هذه أسباب، وهذه الأسباب موصلة إلى الرب جل وعلا إلى مرضاته ومحبته، حينئذٍ نقول: هذه أسباب شرعية بمعنى أنه لا يطرق العبد سببًا لم يأت من جهة الشرع، ومن هنا جاءت أن العبادات توقيفية مدارها على السمع على الوحيين، فحينئذٍ كل عبادة يُتقرب بها إلى الله جل وعلا يرجو ثوابه ويخاف عقابه نقول: هذه العبادة تعتبر سببًا، لأن السبب في أصل معناه اللغوي الحبل الذي يتوصل به من شيء إلى شيء آخر، وهذه العبادة مدارها على الوصول إلى مرضاة الرب جل وعلا.