وأما اليوم بعد أن ثبت عندنا ما ذكرته فلا نحتج بشيء منهما على جهة انتزاع الأحكام فإن الله تعالى قد أخرجنا بالنور من الظلام وهدانا لما اختلفتم فيه من الحق بنبينا محمد عليه السلام وسنبين إن شاء الله ما يدل على صدقه من المعجزات وواضح الدلالات
ثم نقول إن الله تعالى كلم موسى بكلامه الذي هو صفته وسمعه موسى بالإدراك الذي خلقه الله له وقولك كيف ظلم وحيف إذ سؤالك بكيف في هذا المحل دليل على أنك جاهل بمطلبها فينبغي لك أن تعلم أن صيغ المطالب كثيرة وهي مع كثرتها لا يتوجه شيء منها على الله تعالى وعلى صفاته وذلك أن من صيغ المطالب ما وأي ولم وكيف ومتى وأين وغيرهما مما في معناها ولا يتوجه على الله تعالى بشيء منها لاستحالة معانيها على الله تعالى فلا تسأل عنه ب ما ولا ب أي إذ لا جنس له ولا فصل ولا ب لم إذ لاعلة له ولا أصل ولا ب متى إذ هو مقدر الزمان ولا ب أين إذ هو خالق المكان ولا ب هل إذ لانشك في وجوده وهو خالقنا ولا ب كيف إذ لايناسب جوده ولا صفاته شيئا من أحوالنا وأوصافنا
وجوده إثباته وإثباته ذاته وعلمه كل شيء صنعه ولا علة لصنعه لا يتوجه لمخلوق عليه حق ولا يعجزه خلق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
ثم نقول ومما يبين لك أنه يصح السؤال بكيف هنا لأن المطب بكيف إنما هو سؤال عن حال موجود يناسب حال السائل بكيف فإذا قلت كيف زيد إنما معناه على أي حال هو من الأحوال التي تناسب أحوالنا في حال صحة 2 أو في حال مرض أو في حال علم أو في حال جهل إلى غير ذلك من أحواله المناسبة لأحوالنا فإذا قلت كيف سمع موسى كلام الله فكأنك قلت على أي حالة سمع موسى كلام الله من الأحوال التي نكون نحن عليها حين يسمع بعضنا من بعض ونحن والعقلاء الذي يعرفون ما يجب لله