تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ , فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ , اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ , وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ , كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ , أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى , أَلَا إنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ , أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ , وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ , أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ}. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: ﴿لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾ وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ﴿لَا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَمِنَ الْحَلَالِ هِيَ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ﴾. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " كَثِيرٌ " أَنَّ مَعْرِفَةَ حُكْمِهَا مُمْكِنٌ لِلْقَلِيلِ مِنْ النَّاسِ وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ. فَالشُّبَهُ تَكُونُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يَظْهَرُ لَهُمْ تَرْجِيحُ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ , أَوْ مَعْرِفَةُ الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ. مَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ لَا يُقَالُ: إنَّهُ مِنْ الْحَلَالِ الْبَيِّنِ وَلَا مِنْ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ , وَالْمُتَبَيِّنُ: هُوَ مَا لَا إشْكَالَ فِيهِ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ﴾. وَيَدُلُّ لِلتَّفْسِيرِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ أَنَّ الْمَكْرُوهَ يَتَجَاذَبُهُ جَانِبَا الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ , وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ هُنَا مَا اسْتَوَى فِيهِ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ , بَلْ يُقْصَدُ بِهِ مَا كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى , بِأَنْ يَكُونَ مُتَسَاوِيَ الطَّرَفَيْنِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ رَاجِحُ التَّرْكِ عَلَى الْفِعْلِ , بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ لِأَنَّ مَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْ الْمَكْرُوهِ اجْتَرَأَ عَلَى الْحَرَامِ , وَمَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْ الْمُبَاحِ اجْتَرَأَ عَلَى الْمَكْرُوهِ , وَقَدْ يُحْمَلُ اعْتِيَادُ تَعَاطِي الْمَكْرُوهِ وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرُ الْمُحَرَّمِ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْمُحَرَّمِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ. وَيَدُلُّ لَهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: ﴿اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنْ الْحَلَالِ مَنْ فَعَلَ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَلِدِينِهِ﴾. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَلَالَ حَيْثُ يُخْشَى أَنْ يُؤَوَّلَ فِعْلُهُ مُطْلَقًا إلَى مَكْرُوهٍ أَوْ مُحَرَّمٍ , يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ كَالْإِكْثَارِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ , فَإِنَّهُ يَحُوجُ إلَى كَثْرَةِ الِاكْتِسَابِ الْمُوقِعِ فِي أَخْذِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ أَوْ يُفْضِي إلَى بَطَرِ النَّفْسِ. وَيُرَاجَعُ كَذَلِكَ مُصْطَلَحَاتُ: (إبَاحَةٌ , حَلَالٌ , سَدُّ الذَّرَائِعِ). أَقْسَامُ الشُّبْهَةِ: 3 - قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الشُّبْهَةَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: اتَّفَقَا فِي اثْنَيْنِ مِنْهَا وَانْفَرَدَ كُلُّ مَذْهَبٍ بِقَسَمٍ ثَالِثٍ. فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبَانِ فِي الشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَشُبْهَةِ الْفَاعِلِ. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَهُوَ الشُّبْهَةُ الْحُكْمِيَّةُ: وَتُسَمَّى شُبْهَةَ الْمَحَلِّ أَيْ: الْمِلْكِ. وَسُمِّيَتْ حُكْمِيَّةً لِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّ ثَبَتَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ. أَوْ شُبْهَةُ حُكْمِ الشَّرْعِ بِحِلِّ الْمَحَلِّ , لِأَنَّ نَفْسَ حُكْمِ الشَّرْعِ وَمَحَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ شُبْهَتُهُ لِكَوْنِ دَلِيلِ الْحِلِّ عَارَضَهُ مَانِعٌ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: وَطْءُ مُعْتَدَّةِ الْكِنَايَاتِ وَالْوَطْءِ فِي الْخُلْعِ الْخَالِي عَنْ الْمَالِ. وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةَ الْمِلْكِ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ وَارِدَةٌ عَلَى كَوْنِ الْمَحَلِّ مَمْلُوكًا. أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ شُبْهَةُ الْفِعْلِ: وَتُسَمَّى شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ أَيْ: شُبْهَةً فِي حَقِّ مَنْ حَصَلَ لَهُ اشْتِبَاهٌ , وَذَلِكَ إذَا ظَنَّ الْحِلَّ ; لِأَنَّ الظَّنَّ , هُوَ الشُّبْهَةُ لِعَدَمِ دَلِيلٍ قَائِمٍ تَثْبُتُ بِهِ الشُّبْهَةُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ شُبْهَةِ الْفِعْلِ وَشُبْهَةِ الْمَحَلِّ أَنَّ الشُّبْهَةَ فِي شُبْهَةِ الْمَحَلِّ جَاءَتْ مِنْ دَلِيلِ حِلِّ الْمَحَلِّ فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى ظَنِّ الْحِلِّ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ شُبْهَةُ الْفِعْلِ: وَطْءُ مُعْتَدَّةِ الثَّلَاثِ , وَوَطْءُ مُعْتَدَّةِ الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ , وَوَطْءُ الْمُخْتَلِعَةِ عَلَى مَالٍ. وَانْفَرَدَ الْحَنَفِيَّةُ بِقِسْمِ شُبْهَةِ الْعَقْدِ: وَهُوَ مَا وُجِدَ فِيهِ صُورَةُ الْعَقْدِ لَا حَقِيقَتُهُ وَمَثَّلُوا لَهُ بِمَنْ وَطِئَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ نِكَاحُهَا بِعَقْدٍ. وَلَا تُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ , وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ يُوجِبُهُ إنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ بِقِسْمِ شُبْهَةِ الطَّرِيقِ , أَوْ شُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ , وَهِيَ الشُّبْهَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ يَكُونَ

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٨٢