تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كَيْفَ وَعَامَّةُ فِرَقِ الضَّلَالَةِ بِسَبَبِ تَشَبُّثِ هَذَا الْعِلْمِ أَفْسَدُوا هَذَا الدِّينَ الْقَوِيمَ. أَقُولُ لَيْسَ إفْسَادُهُمْ بِمُجَرَّدِ صُوَرِ الْأَدِلَّةِ بَلْ بِمَوَادِّهَا وَلَوْ سَلَّمَ فَتَخَلَّصَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَغَلَبَتْهُمْ عَلَيْهِمْ إنَّمَا هُوَ بِتَمَيُّزِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مِنْ الْفَاسِدِ وَذَلِكَ بِهَذَا الْعِلْمِ وَمَنْ مَنَعَ كَوْنَهُ شَرْطًا لِلِاجْتِهَادِ بِالِاسْتِنَادِ أَنَّ الصَّحَابَةَ مُجْتَهِدُونَ وَلَيْسُوا بِعَارِفِي هَذَيَانَاتِ الْمَنَاطِقَةِ كَيْفَ وَهُوَ يُفْضِي إلَى أَنْ يَاخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُ صلى الله تعالى عليه وسلم وَاعْتِقَادُ ذَلِكَ كُفْرٌ لِتَحْقِيرِ عِلْمِهِ عليه الصلاة والسلام وَلِاسْتِلْزَامِ كَوْنِ الْأَحْكَامِ مُعَلَّلَةً بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ دُونَ الشَّرْعِيَّةِ. أَقُولُ: مُرَاعَاةُ الْمَنْطِقِ حَاصِلٌ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ لَكِنْ لِقُوَّةِ ذَكَائِهِمْ وَجِيَادَةِ طِبَاعِهِمْ اسْتَغْنَوْا عَنْ تَفْصِيلِهِ كَعِلْمِ الْأُصُولِ بِالْإِجْمَالِ مَعَ عَدَمِ تَفْصِيلِهِ عِنْدَهُمْ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ عِلْمٌ آلِيٌّ لَيْسَ فِيهِ مَادَّةٌ قَصْدِيَّةٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اسْتِلْزَامُ مُتَارَكَةِ الشَّرْعِيَّاتِ بِكَوْنِ الْعِلَلِ هِيَ الْعَقْلِيَّاتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْجَهْلِيَّاتِ وَأَنَّهُ هَلْ يُتَصَوَّرُ لُزُومُ أَخْذِ الْمُجْتَهِدِ أَحْوَالَ اجْتِهَادِهِ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي اجْتِهَادِهِ عليه الصلاة والسلام وَبَعْدَ تَسْلِيمِ ذَلِكَ عَرَفْته كَمَا عَرَفْت حَالَ نِسْبَتِهِ إلَى الْكُفْرِ وَمَا اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ فَإِذَا عَرَفْت حَالَ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ فَلَعَلَّك قَدَرْت أَنْ تَعْرِفَ بِوَاقِيَ وَهْمِيَّاتِهِ السَّاقِطَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاشْتِغَالُ بِتَمَامِهِ لَا يُفِيدُ إلَّا الْمَلَالَ وَقَسْوَةَ الْبَالَ , وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ.

(وَمِنْهَا الْجُلُوسُ فِي الطَّرِيقِ إذَا لَمْ يُعْطِ) الْجَالِسُ (حَقَّهُ) حَقَّ الطَّرِيقِ وَإِلَّا فَلَا يُمْنَعُ , وَحَقُّ الطَّرِيقِ نَحْوُ غَضِّ الْبَصَرِ وَكَفِّ الْأَذَى كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ (خ م عَنْ) أَبِي سَعِيدٍ (الْخُدْرِيِّ رضي الله تعالى عنه مَرْفُوعًا ﴿إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ﴾) يَعْنِي احْذَرُوا مِنْ الْجُلُوسِ فِيهَا ; لِأَنَّ الْجَالِسَ فِيهَا قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْ رُؤْيَةِ مَا يَكْرَهُ وَسَمَاعِ مَا لَا يَحِلُّ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَمُعَايَنَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَغَيْرِهَا (﴿فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ﴾) أَيْ مُفَارَقَةٌ (﴿نَتَحَدَّثُ فِيهَا﴾) بِبَعْضِ مُهِمَّاتِنَا فَمَا نَفْعَلُ (﴿فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا أَبَيْتُمْ إلَّا الْمَجْلِسَ﴾) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ امْتَنَعْتُمْ عَنْ الْجَمِيعِ إلَّا عَنْ الْجُلُوسِ فِي الطَّرِيقِ كَأَنْ دَعَتْ حَاجَةٌ (﴿فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ﴾) فَلَا يَضُرُّ حِينَئِذٍ لَكِنْ فِيهِ إيمَاءٌ إلَى الْمَنْعِ مَا أَمْكَنَ وَأَنَّ الْأَوْلَى عِنْدَ إعْطَاءِ حَقِّهِ عَدَمُ الْجُلُوسِ (﴿قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ﴾) كَفُّهُ عَنْ نَظَرِ الْمُحَرَّمِ (﴿وَكَفُّ الْأَذَى﴾) أَعْنِي الِامْتِنَاعَ عَمَّا يُؤْذِي الْمَارِّينَ مِنْ نَحْوِ ازْدِرَاءٍ وَغِيبَةٍ وَتَضْيِيقِ طَرِيقٍ (﴿وَرَدُّ السَّلَامِ﴾) مِنْ الْمَارَّةِ إكْرَامًا لَهُمْ (﴿وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾) , وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ وَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ وَإِفْشَاءِ سَلَامٍ مِنْ كُلِّ مَا يُنْدَبُ مِنْ الْمُحَسَّنَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالنَّهْيِ عَنْ مُسْتَقْبَحَاتِهَا (وَزَادَ د) يَعْنِي أَبُو دَاوُد (فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (﴿وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ﴾) وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ لِئَلَّا يَضْعُفَ الْجَالِسُ عَنْ أَدَاءِ هَذِهِ الْحُقُوقِ وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ إنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ أَوْلَوِيٌّ لَا لُزُومِيٌّ ; لِأَنَّهُ نَهَى أَوَّلًا عَنْ الْجُلُوسِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ فَلَمَّا قَالُوا لَا بُدَّ لَنَا مِنْهُ فَسَحَ لَهُمْ فِيهِ بِشَرْطِ إعْطَاءِ الْحَقِّ (وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنه (﴿وَتُعِينُوا﴾) بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ بِتَقْدِيرِ أَنْ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ (﴿الْمَلْهُوفَ﴾) الْعَاجِزَ أَوْ الْمَظْلُومَ (﴿وَتَهْدُوا الضَّالَّ﴾) إلَى الطَّرِيقِ.

وفي غذاء الألباب:

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٧٤