فسمى ما تأخذه المرضعة فى مقابلة اللبن أجرا، ولم يسمه ثمنا.
وأيضاً فيجوز أن يستأجر بئرا مدة معلومة لمائها، والماء لم يحصل بعمله، فلأن يجوز استئجار الشاة للبنها الحاصل بعلفه والقيام عليها أولى.
وأيضاً: فإنه يجوز أن يستأجر بركة يعشش فيها السمك لأجله، فهذا أولى بالجواز، لأنه معلوم بالعرف. وهو حاصل بعلفه والقيام على الحيوان.
وقياس المنع على تحريم بيع اللبن فى الضرع قياس فإن ذاك بيع مجهول لا يعرف قدره، وما يتحصل منه، وهو بيع معدوم، فلا يجوز. والإجارة أوسع من البيع ولهذا يجوز على المنافع المعدومة المستخلفة شيئاً بعد شئ، فاللبن فى ذلك كالمنفعة سواء وإن كان عينا، فهذا القول هو الصحيح. فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل هذا العقد.
فالحيلة فى لزومه: أن يؤجره الحيوان مدة بدراهم مسماة، ثم يأذن له فى علفه بها، ويبيحه اللبن.
وهذه الحيلة تتأتى فى إجارة البقرة، والناقة، والجاموس، إذ يمكن الحرث عليها وركوبها، وأما الشاة فلا يراد منها إلا الدر والنسل، فلا تتهيأ الإجارة على منفعتها، فالطريق فى ذلك: أن يستأجرها لرضاع سخلة له مدة معلومة، ويوكله فى النفقة عليها بأجرتها، أو ببعضها ويبيحه اللبن.
المثال السبعون: إذا دفع إليه ثوبه وقال: بعه بعشرة، فما زاد فلك. فنص أحمد على صحته، تبعاً لعبد الله بن عباس، ووافقه إسحاق، ومنعه أكثرهم.
ووجه الخلاف. أن فى هذا العقد شائبة الوكالة والإجارة والمضاربة، فمن رجح جانب الوكالة صحح العقد، ومن رجح جانب الإجازة أو المضاربة أبطله، لأن الأجرة والربح الذى جعل له مجهول.
والصحيح: الجواز لأن العشرة تجرى مجرى رأس المال فى المضاربة، وما زاد فهو كالربح، فإذا جعله كله له، كان بمنزلة الإبضاع، إذا دفع إليه مالاً يضارب به، وقال: ما ربحت فهو لك، فليس العقد من باب الإجارات، بل هو بالمشاركات أشبه. فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانه.
فالحيلة فى ذلك: أن يقول: وكلتك فى بيعه بعشرة، فإن بعته بأكثر فلا حق لى فى الزيادة، فيصح هذا. وتكون الزيادة للوكيل.
المثال الحادى والسبعون: قال الإمام أحمد، فى رواية مهنا: ((لا بأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه، وهو أحب إلى من المقاطعة)) يعنى أن يقاطعه على كيل معين، أو دراهم أو عروض.
وكذلك نص فى رواية الأثرم وغيره، فى رجل دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما رزق الله بينهما نصفين: ((أن ذلك جائز)).
وقال أحمد أيضاً: ((لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع))، لحديث جابر:
((أَنَّ النَّبَّى صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم أَعْطَى خَيْبَرَ عَلَى الشّطْرِ)).