آخَرَانِ , وَهُمَا لِلْحَنَفِيَّةِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إنْ قَالَ: " فَالطَّلَاقُ عَلَيَّ وَاجِبٌ " يَقَعُ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ , وَإِنْ قَالَ: " فَالطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ " لَا يَقَعُ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ , وَوَجْهُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ قَوْلَهُ " لَازِمٌ " الْتِزَامٌ لَأَنْ يُطَلِّقَ ; فَلَا تَطْلُقُ بِذَلِكَ , وَقَوْلُهُ " وَاجِبٌ " إخْبَارٌ عَنْ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ , وَلَا يَكُونُ وَاجِبًا إلَّا وَقَدْ وَقَعَ وَلِمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا أَنْ يَقُولَ: هُوَ إيجَابٌ لِلتَّطْلِيقِ , وَإِخْبَارٌ عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ , وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا كَاحْتِمَالِ قَوْلِهِ: " الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي " سَوَاءً , وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ , وَالْفَرْقُ تَحَكُّمٌ. وَالثَّانِي: قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , وَهُوَ عَكْسُ هَذَا الْقَوْلِ , أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِقَوْلِهِ: " الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ , أَوْ يَلْزَمُنِي " وَلَا يَقَعُ بِقَوْلِهِ: " هُوَ عَلَيَّ وَاجِبٌ " وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ قَوْلُهُ: " إنْ فَعَلْت كَذَا فَالْعِتْقُ يَلْزَمُنِي , أَوْ فَعَلَيَّ الْعِتْقُ , أَوْ فَالْعِتْقُ لَازِمٌ لِي , أَوْ وَاجِبٌ عَلَيَّ ".
فَصْلٌ: [الْمَخْرَجُ السَّابِعُ وَفِيهِ الْبَحْثُ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ يُرَادُ بِهِ الْحَضُّ أَوْ الْمَنْعُ] الْمَخْرَجُ السَّابِعُ: أَخْذُهُ بِقَوْلِ أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ , بَلْ هُوَ أَفْقَهُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ , فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: " إنْ كَلَّمَتْ زَيْدًا , أَوْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِي بِغَيْرِ إذْنِي " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ مِنْ فِعْلِهَا " فَأَنْتِ طَالِقٌ " وَكَلَّمَتْ زَيْدًا أَوْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ تَقْصِدُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ لَمْ تَطْلُقْ , حَكَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ كِتَابِ الْمُقَدِّمَاتِ لَهُ , وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ , وَلَا سِيَّمَا عَلَى أُصُولِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَبْدِ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ مِيرَاثَهُ مِنْ الْمَقْتُولِ , وَحِرْمَانِ الْمُوصَى لَهُ وَصِيَّةَ مَنْ قَتَلَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ , وَتَوْرِيثِ امْرَأَةِ مَنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِرَارًا مِنْ مِيرَاثِهَا , وَكَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا , وَقَبِلَهُمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِيمَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ , وَهُوَ يَعْلَمُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا , وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا , وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ; فَمُعَاقَبَةُ الْمَرْأَةِ هَاهُنَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا هُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ وَالْفِقْهِ , وَلَا يُنْتَقَضُ هَذَا عَلَى أَشْهَبَ بِمَسْأَلَةِ الْمُخَيَّرَةِ وَمَنْ جَعَلَ طَلَاقَهَا بِيَدِهَا ; لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ مَلَّكَهَا ذَلِكَ وَجَعَلَهُ بِيَدِهَا بِخِلَافِ الْحَالِفِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ طَلَاقَهَا بِنَفْسِهِ , وَلَا جَعَلَهُ بِيَدِهَا بِالْيَمِينِ , حَتَّى لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ فَقَالَ: " إنْ أَعْطَيْتنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ " أَوْ " إنْ أَبْرَأَتْنِي مِنْ جَمِيعِ حُقُوقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَأَعْطَتْهُ أَوْ أَبْرَأَتْهُ طَلُقَتْ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَ أَشْهَبُ أَفْقَهُ مِنْ الْقَوْلِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ; فَإِنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا قَصَدَ حَضَّهَا وَمَنْعَهَا , وَلَمْ يَقْصِدْ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ إلَيْهَا , وَلَا خَطَرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ , وَلَا قَصَدَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ , وَمَكَانُ أَشْهَبَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ غَيْرُ مَجْهُولٍ ; فَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الِانْتِقَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَيِّ قَالَ: أَشْهَبُ أَفْقَهُ مِنْكُمْ وَمِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِائَةَ مَرَّةٍ , وَأَنْكَرَ ابْنُ كِنَانَةَ ذَلِكَ , قَالَ: لَيْسَ عِنْدَنَا كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ , وَإِنَّمَا قَالَهُ لِأَنَّ أَشْهَبَ شَيْخُهُ وَمُعَلِّمُهُ , قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَشْهَبُ شَيْخُهُ وَمُعَلِّمُهُ , وَابْنُ الْقَاسِمِ شَيْخُهُ , وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمَا لِكَثْرَةِ مُجَالَسَتِهِ لَهُمَا , وَأَخْذِهِ عَنْهُمَا.
فَصْلٌ: [هَلْ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ يَمِينٌ أَوْ لَا؟] الْمَخْرَجُ الثَّامِنُ: أَخْذُهُ بِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُ , وَلَا يَقَعُ عَلَى الْحَانِثِ بِهِ طَلَاقٌ , وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرِهَا , وَهَذَا مَذْهَبُ خَلْقٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ , صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ. قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ , وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: وَلَا يُعْرَفُ لِعَلِيٍّ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ , هَذَا لَفْظُ أَبِي الْقَاسِمِ التَّيْمِيِّ فِي شَرْحِ أَحْكَامِ عَبْدِ الْحَقِّ , وَقَالَهُ قَبْلَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ