تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِالْيَمِينِ لَا شَرْعًا , وَلَا عُرْفًا , وَلَا لُغَةً , وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِكَوْنِ بَابِهِ الْأَيْمَانَ كَثْرَتَهُ فِيهَا ; فَهَذَا لَا يَنْفِي دُخُولُهُ فِي غَيْرِهَا. وَقَوْلُكُمْ: " إنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْإِخْبَارَاتِ , وَلَا فِي الْإِنْشَاءَاتِ , فَلَا يُقَالُ: قَامَ زَيْدٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ , وَلَا قُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ [وَلَا بِعْت إنْ شَاءَ اللَّهُ] فَكَذَا لَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَلَيْسَ هَذَا بِتَمْثِيلٍ صَحِيحٍ , وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمَاضِيَةَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا وَقَعَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ , وَالشَّرْطُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِقْبَالِ , فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: قُمْت أَمْسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ , فَلَوْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَنْ وُقُوعِهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَتَى بِغَيْرِ صِيغَةِ الشَّرْطِ , فَيَقُولُ: فَعَلْت كَذَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَتَايِيدِهِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ , بِخِلَافِ قَوْلِهِ: غَدًا أَفْعَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ , وَأَمَّا قَوْلُهُ: " قُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَ " لَا تَقُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْكَلَامِ ; إذْ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ , فَأَيُّ مَعْنًى لِقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَك الْقِيَامَ فَقُمْ , وَإِنْ لَمْ يَشَاهُ فَلَا تَقُمْ؟. نَعَمْ لَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ قُمْ أَوْ لَا تَقُمْ الْخَبَرَ , وَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الطَّلَبِ تَاكِيدًا , أَيْ: تَقُومُ إنْ شَاءَ اللَّهُ , صَحَّ ذَلِكَ , كَمَا إذَا قَالَ: مُتْ عَلَى الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ , وَلَا تَمُتْ إلَّا عَلَى تَوْبَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ , وَنَحْوَ ذَلِكَ , وَكَذَا إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " قُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ " رَدَّ الْمَشِيئَةَ إلَى مَعْنًى خَبَرِيٍّ , أَيْ: وَلَا تَقُومُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ; فَهَذَا صَحِيحٌ مُسْتَقِيمٌ لَفْظًا وَمَعْنًى , وَأَمَّا " بِعْت إنْ شَاءَ اللَّهُ , وَاشْتَرَيْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّحْقِيقَ صَحَّ وَانْعَقَدَ الْعَقْدُ , وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّعْلِيقَ لَمْ يَكُنْ الْمَذْكُورُ إنْشَاءً , وَتَنَافَى الْإِنْشَاءُ وَالتَّعْلِيقُ ; إذْ زَمَنُ الْإِنْشَاءِ يُقَارِنُ وُجُودَ مَعْنَاهُ , وَزَمَنُ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ يَتَأَخَّرُ عَنْ التَّعْلِيقِ , فَتَنَافَيَا. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " إنَّ هَذَا الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ عَلَى الْمَشِيئَةِ إمَّا أَنْ يُرِيدَ طَلَاقًا مَاضِيًا أَوْ مُقَارِنًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا - إلَى آخِرِهِ " فَجَوَابُهُ مَا قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَشِيئَةَ إلَى هَذَا اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ , وَأَنَّ اللَّهَ إنْ كَانَ قَدْ شَاءَهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ , وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُسْتَثْنِيَ لَمْ يُرِدْ هَذَا , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَلَّا يَقَعَ الطَّلَاقُ , فَرَدَّهُ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ , وَأَنَّ اللَّهَ إنْ شَاءَهُ بَعْدَ هَذَا وَقَعَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا أُرِيدُ طَلَاقَك , وَلَا أَرَبَ لِي فِيهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ فَيَنْفُذُ رَضِيتُ أَمْ سَخِطْتُ , كَمَا قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ عليه السلام: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ أَيْ: نَحْنُ لَا نَعُودُ فِي مِلَّتِكُمْ , وَلَا نَخْتَارُ ذَلِكَ , إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا شَيْئًا فَيَنْفُذُ مَا شَاءَهُ , وَكَذَلِكَ قَالَ إبْرَاهِيمُ: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أَيْ: لَا يَقَعُ بِي مَخُوفٌ مِنْ جِهَةِ آلِهَتِكُمْ أَبَدًا , إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا فَيَنْفُذُ مَا شَاءَهُ. فَرَدَّ الْأَنْبِيَاءُ مَا أَخْبَرُوا أَلَّا يَكُونَ إلَى مَشِيئَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَإِلَى عِلْمِهِ اسْتِدْرَاكًا وَاسْتِثْنَاءً , أَيْ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا , وَلَكِنْ إنْ شَاءَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ , فَإِنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِمَا لَا نَعْلَمُهُ نَحْنُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا حِكْمَتُهُ وَحْدَهُ.

فَصْلٌ: [التَّحْقِيقُ فِي مَوْضُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ] فَالتَّحْقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُسْتَثْنِيَ إمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ: " إنْ شَاءَ اللَّهُ " التَّحْقِيقَ أَوْ التَّعْلِيقَ ; فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّحْقِيقَ وَالتَّاكِيدَ وَقَعَ الطَّلَاقُ , وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّعْلِيقَ وَعَدَمَ الْوُقُوعِ فِي الْحَالِ لَمْ تَطْلُقْ , هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ , وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ , وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانِ فِي رِعَايَتِهِ: قُلْت: إنْ قَصَدَ التَّاكِيدَ وَالتَّبَرُّكَ وَقَعَ , وَإِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ وَجَهِلَ اسْتِحَالَةَ الْعِلْمِ بِالْمَشِيئَةِ فَلَا , وَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ الْمَحْكِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ , وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا قَصَدَ التَّعْلِيقَ , وَكَانَ جَاهِلًا بِاسْتِحَالَةِ الْعِلْم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَوْ عَلِمَ اسْتِحَالَةَ الْعِلْمِ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى لَمْ يَنْعَقِدْ الِاسْتِثْنَاءُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِهِ

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٨٥