تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَأَنْتِ طَالِقٌ , وَقَدْ طَلَّقَهَا بِمَشِيئَتِهِ , فَتَطْلُقُ ; فَهَاهُنَا ثَلَاثُ دَعَاوَى: إحْدَاهَا: أَنَّهُ طَلَّقَهَا , وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ شَاءَ ذَلِكَ , وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهَا قَدْ طَلُقَتْ ; فَإِنْ صَحَّتْ الدَّعْوَى الْأُولَى صَحَّتْ الْأُخْرَيَانِ , وَبَيَانُ صِحَّتِهَا أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِلَفْظٍ صَالِحٍ لِلطَّلَاقِ , فَيَكُونُ طَلَاقًا , وَبَيَانُ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ حَادِثٌ ; فَيَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ , فَقَدْ شَاءَ اللَّهُ طَلَاقَهَا فَتَطْلُقُ ; فَهَذَا غَايَةُ مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْمُوَقِّعُونَ. [جَوَابُ الْمَانِعِينَ] قَالَ الْمَانِعُونَ: أَنْتُمْ مُعَاشِرَ الْمُوَقِّعِينَ قَدْ سَاعَدْتُمُونَا عَلَى صِحَّةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ , وَلَسْتُمْ مِمَّنْ يُبْطِلُهُ كَالظَّاهِرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ كَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ , فَقَدْ كَفَيْتُمُونَا نِصْفَ الْمُؤْنَةِ , وَحَمَلْتُمْ عَنَّا كُلْفَةَ الِاحْتِجَاجِ لِذَلِكَ , فَبَقِيَ الْكَلَامُ مَعَكُمْ فِي صِحَّةِ هَذَا التَّعْلِيقِ الْمُعَيَّنِ , هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ سَاعَدْتُمُونَا عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيقِ قَرُبَ الْأَمْرُ وَقَطَعْنَا نِصْفَ الْمَسَافَةِ الْبَاقِيَةِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ صَحِيحٌ ; إذْ لَوْ كَانَ مُحَالًا لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُ الْيَمِينِ وَالْوَعْدِ , وَالنَّذْرِ وَغَيْرِهِمَا بِالْمَشِيئَةِ , وَلَكَانَ ذَلِكَ لَغْوًا لَا يُفِيدُ , وَهَذَا بَيِّنُ الْبُطْلَانِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ , فَصَحَّ التَّعْلِيقُ حِينَئِذٍ , فَبَقِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَنْزِلَةٌ أُخْرَى , وَهِيَ أَنَّهُ هَلْ وُجُودُ هَذَا الشَّرْطِ مُمْكِنٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ سَاعَدْتُمُونَا عَلَى الْإِمْكَانِ , وَلَا رَيْبَ فِي هَذِهِ الْمُسَاعَدَةِ قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ جِدًّا , وَحَصَلَتْ الْمُسَاعَدَةُ عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ صَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مُمْكِنٍ , فَبَقِيَتْ مَنْزِلَةٌ أُخْرَى , وَهِيَ أَنَّ تَاثِيرَ الشَّرْطِ وَعَمَلَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ أَمْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَلْ يَجُوزُ تَاثِيرُهُ فِي الْمَاضِي , وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ؟. فَإِنْ سَاعَدْتُمُونَا عَلَى تَوَقُّفِ تَاثِيرِهِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ , وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِمَاضٍ , وَلَا حَالٍ - وَأَنْتُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مُسَاعِدُونَ - بَقِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَنْزِلَةٌ وَاحِدَةٌ , وَهِيَ أَنَّهُ هَلْ لَنَا سَبِيلٌ إلَى الْعِلْمِ بِوُقُوعِ هَذَا الشَّرْطِ فَيَتَرَتَّبُ الْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ أَمْ لَا سَبِيلَ لَنَا إلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ فَيَكُونُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهِ تَعْلِيقًا عَلَى مَا لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَنَا طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِهِ؟ فَهَاهُنَا مُعْتَرَكُ النِّزَالِ , وَدَعْوَةُ الْأَبْطَالِ , فَنَزَالِ نَزَالِ. فَنَقُولُ: مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ , وَأَبْيَنِ الْفَضَائِحِ , الَّتِي تَشْمَئِزُّ مِنْهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ , وَتُنْكِرُهَا فِطَرُ الْعَالَمِينَ , مَا تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُكُمْ , وَهَذَا لَفْظُهُ بَلْ حُرُوفُهُ , قَالَ: لَنَا إنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَا لَا سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ ; لِأَنَّ أَصْلَهُ الصِّفَاتُ الْمُسْتَحِيلَةُ , مِثْلَ قَوْلِهِ: " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الْحَجَرُ " أَوْ " إنْ شَاءَ الْمَيِّتُ ": أَوْ " إنْ شَاءَ هَذَا الْمَجْنُونُ الْمُطْبَقُ الْآنَ " فَيَا لَك مِنْ قِيَاسٍ مَا أَفْسَدَهُ , وَعَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ مَا أَبْعَدَهُ , وَهَلْ يَسْتَوِي فِي عَقْلٍ أَوْ رَايٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ قِيَاسٍ مَشِيئَةُ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ وَمَشِيئَةُ الْحَجَرِ وَالْمَيِّتِ وَالْمَجْنُونِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُقَلَاءِ النَّاسِ؟. وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ , وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ وَعِيَاذًا بِهِ مِنْ الْخِذْلَانِ , وَنَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ تَمَسُّكُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ مَنْ لَا تُعْلَمُ مَشِيئَتُهُ فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيقُ , كَمَا لَوْ قَالَ ": أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ إبْلِيسُ " فَسُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك , وَتَبَارَكَ اسْمُك , وَتَعَالَى جَدُّك , وَلَا إلَهَ غَيْرُك , وَعِيَاذًا بِوَجْهِك الْكَرِيمِ , مِنْ هَذَا الْخِذْلَانِ الْعَظِيمِ , وَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ , لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي نُصْرَةِ هَذَا الْقَوْلِ غِنًى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الْمَلْعُونَةِ فِي ضُرُوبِ الْأَقْيِسَةِ , وَأَنْوَاعِ الْمَعَانِي وَالْإِلْزَامَاتِ فُسْحَةٌ وَمُتَّسَعٌ , وَلِلَّهِ شَرَفُ نُفُوسِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُمْ , وَشَادَّ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُمْ , حَيْثُ يَانَفُونَ لِنُفُوسِهِمْ , وَيَرْغَبُونَ بِهَا عَنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْهَذَيَانَاتِ الَّتِي تَسْوَدُّ بِهَا الْوُجُوهُ قَبْلَ الْأَوْرَاقِ , وَتُحِلُّ بِقَمَرِ الْإِيمَانِ الْمَحَاقُ. وَعِنْدَ هَذَا فَنَقُولُ: عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ مَنْ جَمِيعُ الْحَوَادِثِ مُسْتَنِدَةٌ إلَى مَشِيئَتِهِ , وَتُعْلَمُ مَشِيئَتُهُ عِنْدَ وُجُودِ كُلِّ حَادِثٍ أَنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ بِمَشِيئَتِهِ , فَهَذَا

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٧٨