تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَتَمَامُهُ , مِنْ تَقْيِيدٍ بِاسْتِثْنَاءٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ شَرْطٍ , أَوْ بَدَلٍ أَوْ غَايَةٍ , فَتَكْلِيفُهُ نِيَّةَ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ , وَإِلْغَاؤُهُ إنْ لَمْ يَنْوِهِ أَوَّلًا تَكْلِيفُ مَا لَا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ بِهِ , وَلَا رَسُولُهُ , وَلَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

فَصْلٌ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي إيقَاعِهِمَا , وَلَا الْحَلِفُ بِهِمَا , وَلَا الظِّهَارُ , وَلَا الْحَلِفُ بِهِ , وَلَا النَّذْرُ , وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيْمَانِ , إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ , وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ: وَإِذَا اسْتَثْنَى فِي الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ , وَقَدْ قَطَعَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ , فَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: مَنْ حَلَفَ فَقَالَ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " لَمْ يَحْنَثْ , وَلَيْسَ لَهُ اسْتِثْنَاءٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ , وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ إذَا قَالَ ": أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " لَمْ تَطْلُقْ , وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ ": الِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَيْمَانِ. قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَيْسَ لَهُ ثُنْيَا فِي الطَّلَاقِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَقَوْلُهُ: " إنْ شَاءَ اللَّهُ " قَدْ شَاءَ اللَّهُ الطَّلَاقَ حِينَ أَذِنَ فِيهِ , وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: مَنْ حَلَفَ فَقَالَ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " لَمْ يَحْنَثْ , وَلَيْسَ لَهُ اسْتِثْنَاءٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. قَالَ حَنْبَلٌ: لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْأَيْمَانِ , وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ: وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ , وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: الْوُقُوعُ , وَعَدَمُهُ , وَالتَّوَقُّفُ فِيهِ , وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ " أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ بِك إنْ شَاءَ اللَّهُ " ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَلَوْ قَالَ لِأَمَةٍ " أَنْتِ حُرَّةٌ يَوْمَ أَشْتَرِيك إنْ شَاءَ اللَّهُ " صَارَتْ حُرَّةً , فَلَعَلَّ أَبَا حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ حَكَى عَنْ أَحْمَدَ الْفَرْقَ بَيْنَ " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَلَا تَطْلُقُ " , وَأَنْتِ حُرَّةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَتُعْتَقُ اسْتَنَدَ إلَى هَذَا النَّصِّ , وَهَذَا مِنْ غَلَطِهِ عَلَى أَحْمَدَ , بَلْ هَذَا تَفْرِيقٌ مِنْهُ بَيْنَ صِحَّةِ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ عَلَى الْمِلْكِ وَعَدَمِ صِحَّةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى النِّكَاحِ , وَهَذَا قَاعِدَةُ مَذْهَبِهِ , وَالْفَرْقُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمِلْكَ قَدْ شُرِعَ سَبَبًا ; لِحُصُولِ الْعِتْقِ كَمِلْكِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ , وَقَدْ يُعْقَدُ الْبَيْعُ سَبَبًا لِحُصُولِ الْعِتْقِ اخْتِيَارًا كَشِرَاءِ مَنْ يُرِيدُ عِتْقَهُ فِي كَفَّارَةٍ أَوْ قُرْبَةٍ أَوْ فِدَاءٍ كَشِرَاءِ قَرِيبِهِ , وَلَمْ يَشْرَعْ اللَّهُ النِّكَاحَ سَبَبًا لِإِزَالَتِهِ أَلْبَتَّةَ ; فَهَذَا فِقْهُهُ وَفَرْقُهُ , فَقَدْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ , وَتَوَقَّفَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ , فَتُخَرَّجُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ صَرَّحَ بِهِمَا الْأَصْحَابُ , وَذَكَرُوا وَجْهًا ثَالِثًا , وَهُوَ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ وَجَهِلَ اسْتِحَالَةَ الْعِلْمِ بِالْمَشِيئَةِ لَمْ تَطْلُقْ , وَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ أَوْ التَّأَدُّبَ طَلُقَتْ , وَقِيلَ عَنْ أَحْمَدَ: يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلَاقِ , وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّفْرِيقُ عَنْهُ , بَلْ هُوَ خَطَأٌ عَلَيْهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ رُوِيَ فِي الْفَرْقِ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ يَرْفَعُهُ: فَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى فِعْلٍ يَقْصِدُ بِهِ الْحَضَّ أَوْ الْمَنْعَ كَقَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَرِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إحْدَاهُمَا: يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ , وَلَا تَطْلُقُ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ; لِأَنَّهُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ قَدْ صَارَ حَالِفًا , وَصَارَ تَعْلِيقُهُ يَمِينًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ , فَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ فِيهَا ; لِعُمُومِ النُّصُوصِ الْمُتَنَاوِلَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحَلِفِ وَالْيَمِينِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ , وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا يَنْفَعُ فِي الْأَيْمَانِ الْمُكَفِّرَةِ , فَالتَّكْفِيرُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَلَازِمَانِ , وَيَمِينُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَا يُكَفَّرَانِ , فَلَا يَنْفَعُ فِيهِمَا الِاسْتِثْنَاءُ , وَمِنْ هُنَا خَرَّجَ شَيْخُنَا عَلَى الْمَذْهَبِ إجْزَاءَ التَّكْفِيرِ فِيهِمَا ; لِأَنَّ أَحْمَدَ رضي الله عنه نَصَّ

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٧٤