مِنْ جَمِيعِ مَا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ مِنْهَا , أَوْ أَنَّهُ وَهَبَ لَهُ جَمِيعَ مَا يَخُصُّهُ مِنْهَا , أَوْ أَنَّهُ قَبَضَهُ أَوْ اعْتَاضَ عَنْهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ , فَيُودِعُ الشَّهَادَةَ عَدْلَيْنِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حَقِّهِ , وَأَنَّهُ يُظْهِرُ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ تَوَصُّلًا إلَى إقْرَارِ أَخِيهِ بِنَسَبِهِ , وَأَنَّهُ لَمْ يَاخُذْ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ شَيْئًا , وَلَا أَبْرَأَ أَخَاهُ , وَلَا عَاوَضَهُ , وَلَا وَهَبَهُ.
[إقْرَارُ الْمُضْطَهَدِ] وَهَذَا يُشْبِهُ إقْرَارَ الْمُضْطَهَدِ الَّذِي قَدْ اُضْطُهِدَ وَدُفِعَ عَنْ حَقِّهِ حَتَّى يُسْقِطَ حَقًّا آخَرَ , وَالسَّلَفُ كَانُوا يُسَمُّونَ مِثْلَ هَذَا مُضْطَهَدًا , كَمَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً , وَأَرَادَ سَفَرًا , فَأَخَذَهُ أَهْلُهَا , فَجَعَلَهَا طَالِقًا إنْ لَمْ يَبْعَثْ بِنَفَقَتِهَا إلَى شَهْرٍ , فَجَاءَ الْأَجَلُ , وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا بِشَيْءٍ , فَلَمَّا قَدِمَ خَاصَمُوهُ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فَقَالَ: اضْطَهَدْتُمُوهُ حَتَّى جَعَلَهَا طَالِقًا , فَرَدَّهَا عَلَيْهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إكْرَاهٌ بِضَرْبٍ , وَلَا أَخْذِ مَالٍ , وَإِنَّمَا طَالَبُوهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا , وَذَلِكَ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ , وَلَكِنْ لَمَّا تَعَنَّتُوهُ بِالْيَمِينِ جَعَلَهُ مُضْطَهَدًا ; لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ ; لِيَتَوَصَّلَ إلَى قَصْدِهِ مِنْ السَّفَرِ , فَلَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ عَنْ اخْتِيَارٍ , بَلْ هُوَ كَالْمَحْمُولِ عَلَيْهِ. [الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُضْطَهَدِ وَالْمُكْرَهِ] وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكْرَهِ أَنَّ الْمُكْرَهَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِاحْتِمَالِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ , وَهَذَا قَاصِدٌ لِلْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ بِالْتِزَامِ مَا طُلِبَ مِنْهُ , وَكِلَاهُمَا غَيْرُ رَاضٍ , وَلَا مُؤْثِرًا لِمَا الْتَزَمَهُ , وَلَيْسَ لَهُ وَطَرٌ فِيهِ. فَتَأَمَّلْ هَذَا , وَنَزِّلْهُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ , وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - لَمْ يَكُنْ يَرَى الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ إذَا حَنِثَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ , وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ , وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ , قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: وَلَا يُعْلَمُ لِعَلِيٍّ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَسَيَاتِي الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ , إنْ شَاءَ اللَّهُ , إذْ الْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ أَوْ حَلَفَ أَوْ وَهَبَ أَوْ صَالَحَ لَا عَنْ رِضًا مِنْهُ , وَلَكِنْ مُنِعَ حَقُّهُ إلَّا بِذَلِكَ , فَهُوَ بِالْمُكْرَهِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْمُخْتَارِ , وَمِثْلُ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ مَا عَقَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ. وَمَنْ لَهُ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي الشَّرِيعَةِ , وَمَعْرِفَةٌ بِمَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا , وَكَانَ الْإِنْصَافُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ التَّعَصُّبِ وَالْهَوَى , وَالْعِلْمُ وَالْحُجَّةُ آثَرُ عِنْدَهُ مِنْ التَّقْلِيدِ , وَلَمْ يَكَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ وَجْهُ الصَّوَابِ , وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ , وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ نَفَائِسِ هَذَا الْكِتَابِ , وَالْجَاهِلُ الظَّالِمُ لَا يَرَى الْإِحْسَانَ إلَّا إسَاءَةً , وَلَا الْهُدَى إلَّا الضَّلَالَةَ. فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ لِلشَّمْسِ أَعْيُنٌ سِوَاكِ تَرَاهَا فِي مَغِيبٍ وَمَطْلَعِ وَسَامِحْ نُفُوسًا بِالْقُشُورِ قَدْ ارْتَضَتْ وَلَيْسَ لَهَا لِلُّبِّ مِنْ مُتَطَلَّعِ.
[حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى ثَمَنِهَا وَأُجْرَتِهَا] الْمِثَالُ الثَّالِثُ بَعْدَ الْمِائَةِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يَمْلِكُ الْبَائِعُ حَبْسَ السِّلْعَةِ عَلَى ثَمَنِهَا؟ وَهَلْ يَمْلِكُ الْمُسْتَاجِرُ حَبْسَ الْعَيْنِ بَعْدَ الْعَمَلِ عَلَى الْأُجْرَةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يَمْلِكُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ , وَهُوَ الْمُخْتَارُ , وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ , وَالثَّالِثُ: يَمْلِكُ حَبْسَ الْعَيْنِ الْمُسْتَاجَرَةِ عَلَى عَمَلِهَا , وَلَا يَمْلِكُ حَبْسَ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ , وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَمَلَ يَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ , وَلِهَذَا يُقَابَلُ بِالْعِوَضِ ; فَصَارَ كَأَنَّهُ شَرِيكٌ لِمَالِكِ الْعَيْنِ بِعَمَلِهِ , فَأَثَرُ عَمَلِهِ قَائِمٌ بِالْعَيْنِ ; فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ أَنْ يَاخُذَ عِوَضَهُ , بِخِلَافِ الْمَبِيعِ ; فَإِنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي , وَصَارَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ , وَلَمْ يَبْقَ لِلْبَائِعِ تَعَلُّقٌ بِالْعَيْنِ , وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا قَالَ: الْأُجْرَةُ قَدْ صَارَتْ فِي الذِّمَّةِ , وَلَمْ