حَقٍّ , وَهَذَا بِخِلَافِ الْحِيلَةِ عَلَى إيجَارِ الْوَقْفِ مِائَةَ سَنَةٍ , وَقَدْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَحَيَّلَ عَلَى إيجَارِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا بِعُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
[حِيَلٌ فِي الرَّهْنِ] الْمِثَالُ الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ: إذَا أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَ رَجُلًا مَالًا وَيَاخُذَ مِنْهُ رَهْنًا , فَخَافَ أَنْ يَهْلِكَ الرَّهْنُ فَيَسْقُطُ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ يَرَى ذَلِكَ , فَالْمَخْرَجُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَيْنَ الَّتِي يُرِيدُ ارْتِهَانَهَا بِالْمَالِ الَّذِي يُقْرِضُهُ , وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُقْبِضْهُ , فَإِنْ وَثِقَ بِكَوْنِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ تَرَكَهُ عِنْدَهُ , فَإِنْ تَلِفَ تَلِفَ مِنْ ضَمَانِهِ , وَإِنْ بَقِيَ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ مَتَى شَاءَ , وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ أَقَالَهُ الْبَائِعُ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْعَيْنَ قَبْلَ الْقَرْضِ , ثُمَّ يُقْرِضَهُ , وَهِيَ عِنْدَهُ ; فَهِيَ فِي الظَّاهِرِ وَدِيعَةٌ , وَفِي الْبَاطِنِ رَهْنٌ , فَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَسْقُطْ بِهَلَاكِهَا شَيْءٌ مِنْ حَقِّهِ. فَإِنْ خَافَ الرَّاهِنُ أَنَّهُ إذَا وَفَّاهُ حَقَّهُ لَمْ يُقِلْهُ الْبَيْعَ , فَالْمَخْرَجُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْخِيَارَ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّهُ يُوَفِّيهِ فِيهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ. فَإِنْ خَافَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُسْتَحَقَّ الرَّهْنُ أَوْ بَعْضُهُ , فَالْمَخْرَجُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ دَرْكَ الرَّهْنِ غَيْرَ الرَّاهِنِ , أَوْ يُشْهِدُ عَلَى مَنْ يَخْشَى دَعْوَاهُ الِاسْتِحْقَاقَ بِأَنَّهُ مَتَى ادَّعَاهُ كَانَتْ دَعْوَاهُ بَاطِلَةً , أَوْ يُضَمِّنَهُ الدَّرَكَ لِنَفْسِهِ.
[بَيْعُ الثَّمَرِ , وَقَدْ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضِهِ الْآخَرِ] الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ: إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي بَعْضِ الشَّجَرَةِ جَازَ بَيْعُ جَمِيعِهَا , وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ النَّوْعِ كُلِّهِ فِي الْبُسْتَانِ , وَقَالَ شَيْخُنَا: يَجُوزُ بَيْعُ الْبُسْتَانِ كُلِّهِ تَبَعًا لِمَا بَدَا صَلَاحُهُ , سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَوْعِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ , تَقَارَبَ إدْرَاكُهُ وَتَلَاحَقَ أَمْ تَبَاعَدَ , وَهُوَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ , وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاحْتِيَالِ عَلَى الْجَوَازِ , وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا خَرَجَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ دُونَ بَقِيَّتِهَا أَوْ خَرَجَ الْجَمِيعُ وَبَعْضُهُ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ دُونَ بَعْضٍ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ ; لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمُتَقَوِّمِ وَغَيْرِهِ , فَتَصِيرُ حِصَّةُ الْمَوْجُودِ الْمُتَقَوِّمِ مَجْهُولَةً فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ , وَبَعْضُ الشُّيُوخِ كَانَ يُفْتِي بِجَوَازِهِ فِي الثِّمَارِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَنَحْوِهِمَا , جَعَلَا الْمَعْدُومَ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ. وَأَفْتَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِجَوَازِهِ فِي الْوَرْدِ لِسُرْعَةِ تَلَاحُقِهِ , قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ. قَالُوا: فَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْأُصُولَ , وَهَذَا قَدْ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا , قَالُوا: فَالْحِيلَةُ أَيْضًا أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَوْجُودَ الَّذِي بَدَا صَلَاحُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ , وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ لَهُ مَا يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ , وَهَذِهِ الْحِيلَةُ أَيْضًا قَدْ تَتَعَذَّرُ ; إذْ قَدْ يَرْجِعُ فِي الْإِبَاحَةِ , وَإِنْ جُعِلَتْ هِبَةً فَهِبَةُ الْمَعْدُومِ لَا تَصِحُّ , وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى الثَّمَرَةِ مِنْ كُلِّ أَلْفِ جُزْءٍ عَلَى جُزْءٍ - مَثَلًا - لَمْ تَصِحَّ الْمُسَاقَاةُ عِنْدَهُمْ , وَتَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ , وَإِنْ آجَرَهُ الشَّجَرَةَ ; لِأَخْذِ ثَمَرَتِهَا لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ عِنْدَهُمْ , وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ ; فَالْحِيلَةُ إذًا أَنْ يَبِيعَهُ الثَّمَرَةَ الْمَوْجُودَةَ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهَا فَهُوَ حَادِثٌ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي , لَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِيهِ , وَلَا يَذْكُرُ سَبَبَ الْحُدُوثِ , وَلَهُمْ حِيلَةٌ أُخْرَى فِيمَا إذَا بَدَتْ الثِّمَارُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ , أَوْ يَشْتَرِيَهَا وَيُطْلِقَ , وَيَكُونَ الْقَطْعُ [هُوَ] مُوجِبُ الْعَقْدِ , ثُمَّ يَتَّفِقَانِ عَلَى التَّبْقِيَةِ إلَى وَقْتِ الْكَمَالِ , وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَخْرَجَ بِبَيْعِهَا إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهَا أَوْ بِإِجَارَةِ الشَّجَرِ أَوْ بِالْمُسَاقَاةِ أَقْرَبُ إلَى النَّصِّ وَالْقِيَاسِ وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.