شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ قَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِهَا النَّصُّ وَالْقِيَاسُ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ وَمَصَالِحُ النَّاسِ , وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا مِنْ كِتَابٍ , وَلَا سُنَّةٍ , وَلَا إجْمَاعٍ , وَلَا قِيَاسٍ , وَلَا مَصْلَحَةٍ , وَلَا مَعْنًى صَحِيحٍ يُوجِبُ فَسَادَهَا. وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ عُذْرُهُمْ أَنَّهُمْ ظَنُّوا ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ , فَالْعِوَضُ مَجْهُولٌ فَيَفْسُدُ , ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا , وَالْمُضَارَبَةَ لِلْإِجْمَاعِ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ , وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْجَوَازَ بِالْمُضَارَبَةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ الْجَوَازَ فِيمَا إذَا كَانَ بَعْضُ الْأَصْلِ يَرْجِعُ إلَى الْعَامِلِ كَقَفِيزِ الطَّحَّانِ , وَجَوَّزَهُ فِيمَا إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ الثَّمَرَةُ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ كَالدَّرِّ وَالنَّسْلِ. وَالصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ , وَهُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا ; فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ الَّتِي يَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا شَرِيكَ الْمَالِكِ هَذَا بِمَالِهِ , وَهَذَا بِعَمَلِهِ , وَمَا رَزَقَ اللَّهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا , وَهَذَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْلَى , بِالْجَوَازِ مِنْ الْإِجَارَةِ , حَتَّى قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذِهِ الْمُشَارَكَاتُ أَحَلُّ مِنْ الْإِجَارَةِ , قَالَ: لِأَنَّ الْمُسْتَاجِرَ يَدْفَعُ مَالَهُ , وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ , وَقَدْ لَا يَحْصُلُ , فَيَفُوزُ الْمُؤَجِّرُ بِالْمَالِ وَالْمُسْتَاجِرُ عَلَى الْخَطَرِ , إذْ قَدْ يَكْمُلُ الزَّرْعُ. وَقَدْ لَا يَكْمُلُ , بِخِلَافِ الْمُشَارَكَةِ ; فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْفَوْزِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ , إنْ رَزَقَ اللَّهُ الْفَائِدَةَ كَانَتْ بَيْنَهُمَا , وَإِنْ مَنَعَهَا اسْتَوَيَا فِي الْحِرْمَانِ , وَهَذَا غَايَةُ الْعَدْلِ ; فَلَا تَاتِي الشَّرِيعَةُ بِحِلِّ الْإِجَارَةِ وَتَحْرِيمِ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ. وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُضَارَبَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ , فَضَارَبَ أَصْحَابُهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ , وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهَا الْأُمَّةُ , وَدَفَعَ خَيْبَرَ إلَى الْيَهُودِ يَقُومُونَ عَلَيْهَا وَيَعْمُرُونَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ , وَهَذَا كَأَنَّهُ رَايُ عَيْنٍ , ثُمَّ لَمْ يَنْسَخْهُ , وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ , وَلَا امْتَنَعَ مِنْهُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ , وَأَصْحَابُهُ بَعْدَهُ , بَلْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأَرَاضِيِهِمْ , وَأَمْوَالِهِمْ يَدْفَعُونَهَا إلَى مَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا , وَهُمْ مَشْغُولُونَ بِالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْمَنْعُ إلَّا فِيمَا مَنَعَ مِنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم , وَهُوَ مَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إذَا نَظَرَ ذُو الْبَصَرِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ , وَلَوْ لَمْ تَاتِ هَذِهِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ ; فَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ , وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ فَإِذَا بُلِيَ الرَّجُلُ بِمَنْ يَحْتَجُّ فِي التَّحْرِيمِ بِأَنَّهُ هَكَذَا فِي الْكِتَابِ , وَهَكَذَا قَالُوا , وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ ; إذْ لَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ الْأُمَّةِ إلَّا بِهِ ; فَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ حِيلَةٍ تُؤَدِّي إلَيْهِ , فَإِنَّهَا حِيَلٌ تُؤَدِّي إلَى فِعْلِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ , وَلَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَى الْأُمَّةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحِيلَةِ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ , وَنَظِيرُهَا فِي الِاحْتِيَالِ عَلَى الْمُغَارَسَةِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ الْأَرْضَ يَغْرِسُ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ الْأَشْجَارِ لِمُدَّةِ كَذَا وَكَذَا سَنَةً بِخِدْمَتِهَا , وَغَرْسِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْأَشْجَارِ فِيهَا ; فَإِنْ اتَّفَقَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَا لِكُلٍّ مِنْهَا غِرَاسًا مُعَيَّنًا مُقَرَّرًا جَازَ , وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ شَائِعًا بَيْنَهُمَا ; فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ مِنْ الْغِرَاسِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ , أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ , وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ الْمُشَارَكَةِ عَلَى الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِجُزْءٍ مِنْ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا أَنْ يَسْتَاجِرَهُ لِلْقِيَامِ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا سَنَةً لِلْمُدَّةِ الَّتِي يَتَّفِقَانِ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَاشِيَةِ أَوْ ثُلُثِهَا , عَلَى حَسَبِ مَا يُجْعَلُ لَهُ مِنْ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ , وَيُقِرَّ لَهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَاشِيَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ أَثْلَاثًا , فَيَصِيرُ دَرُّهَا وَنَسْلُهَا بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمَا , فَإِنْ خَافَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ بِمِلْكِ نِصْفِهَا حَيْثُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُ ذَلِكَ
سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٥٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٥٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي