بِرَجُلٍ ثِقَةٍ عَدْلٍ بَيْنَهُمَا فَيَبِيعُهَا هَذَا الْعَدْلُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ عَنْ سَيِّدِهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِهَا الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ , وَيَزِيدُ مَا شَاءَ , وَيَقْبِضُ مِنْهُ الثَّمَنَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ , فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي بَيْعَهَا طَالَبَهُ بِبَاقِي الثَّمَنِ الَّذِي أَظْهَرَهُ , وَلَوْ لَمْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا ثَالِثًا بَلْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: " أَبِيعُكهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ , وَآخُذُ مِنْك أَرْبَعِينَ , فَإِنْ بِعْتهَا طَالَبْتُك بِبَاقِي الثَّمَنِ , وَإِنْ لَمْ تَبِعْهَا لَمْ أُطَالِبْك " جَازَ , لَكِنْ فِي تَوَسُّطِ الْعَدْلِ الَّذِي يَثِقُ بِهِ الْمُشْتَرِي كَأَبِيهِ وَصَاحِبِهِ تَطْيِيبٌ لِقَلْبِهِ , وَأَمَانٌ لَهُ مِنْ مُطَالَبَةِ الْبَائِعِ لَهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ.
[حِيلَةٌ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ قَبْلَ التَّزَوُّجِ] الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا طَلَبَ مِنْهُ وَلَدُهُ أَوْ عَبْدُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ , وَخَافَ أَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ بِالزَّوْجَةِ وَيَامُرَهُ بِطَلَاقِهَا فَلَا يُقْبَلُ , فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لَا أُزَوِّجُك إلَّا أَنْ تَجْعَلَ أَمْرَ الزَّوْجَةِ بِيَدِي , فَإِنْ وَثِقَ مِنْهُ بِذَلِكَ الْوَعْدِ قَالَ لَهُ بَعْدَ التَّزْوِيجِ: أَمْرُهَا بِيَدِك , وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْهُ بِهِ , وَخَافَ أَنَّهُ إذَا قَبِلَ الْعَقْدَ لَا يَفِي لَهُ التَّزْوِيجُ: أَمْرُهَا بِيَدِك , وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْهُ بِهِ , وَخَافَ أَنَّهُ إذَا قَبِلَ الْعَقْدَ لَا يَفِي لَهُ بِمَا وَعَدَهُ , فَالْحِيلَةُ أَنْ لَا يَاذَنَ لَهُ حَتَّى يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِالنِّكَاحِ , فَيَقُولُ: إنْ تَزَوَّجْتهَا فَأَمْرُهَا بِيَدِك , وَيَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَأَهْلِ الْعِرَاقِ , فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَلْيَكْتُبْ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ: " , وَأَقَرَّ الزَّوْجُ الْمَذْكُورُ أَنَّ أَمْرَ الزَّوْجَةِ الْمَذْكُورَةِ بِيَدِ السَّيِّدِ أَوْ الْأَبِ " فَإِذَا وَقَعَ مَا يَحْذَرُهُ مِنْهَا تَمَكَّنَ حِينَئِذٍ مِنْ التَّطْلِيقِ عَلَيْهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ , لَكِنْ قَدْ يُخْرِجُهُ عَنْ الْوَكَالَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَتِمُّ مُرَادُهُ , فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى أَخْرَجَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ فَهِيَ طَالِقٌ.
[حِيلَةٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ] الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ , وَيَبْطُلُ تَدْبِيرُهُ , فَإِنْ خَافَ أَنْ يَرْفَعَهُ الْعَبْدُ إلَى حَاكِمٍ لَا يَرَى بَيْعَ الْمُدَبَّرِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ , فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتَّ , وَأَنْت فِي مِلْكِي فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي , فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ تَمَّ لَهُ الْأَمْرُ كَمَا أَرَادَ , فَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهُ مَا دَامَ حَيًّا فَلَهُ ذَلِكَ , وَإِنْ مَاتَ , وَهُوَ فِي مِلْكِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ , وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: " أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي " وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: " إنْ مِتَّ , وَأَنْتَ فِي مِلْكِي فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي " أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ , وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ بَيْعَ الْعَبْدِ كَمَا لَوْ قَالَ: " إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ " فَلَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ , بِخِلَافِ قَوْلِهِ: " أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي " فَإِنَّهُ جَزَمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ , وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: " إنْ مِتَّ قَبْلِي فَأَنْت فِي حِلٍّ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك " فَهُوَ إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ , وَلَوْ قَالَ لَهُ: " أَنْتَ فِي حِلٍّ بَعْدَ مَوْتِي " صَحَّ , وَلَمْ يَكُنْ تَعْلِيقًا لِلْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ , وَنَظِيرُهُ لَوْ قَالَ: " إنْ مِتَّ فَدَارِي وَقْفٌ " فَإِنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْوَقْفِ بِالشَّرْطِ , وَلَوْ قَالَ: " هِيَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي " صَحَّ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَرَاءَةُ أَحَدِ الضَّامِنَيْنِ بِتَسْلِيمِ الْآخَرِ] الْمِثَالُ الثَّمَانُونَ: لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ ضَمِنَا رَجُلًا بِنَفْسِهِ , فَدَفَعَهُ أَحَدُهُمَا إلَى الطَّالِبِ , بَرِئَ الَّذِي لَمْ يَدْفَعْ , وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ ضَمِنَا لِرَجُلٍ مَالًا فَدَفَعَهُ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُمَا يَبْرَآنِ جَمِيعًا ; لِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ إحْضَارُ وَاحِدٍ , فَإِذَا سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا فَقَدْ وُجِدَ الْإِحْضَارُ الْمَضْمُونُ فَبَرِئَا جَمِيعًا. قَالَ الْقَاضِي: وَرُبَّمَا أَلْزَمَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ الضَّمَانَ بِنَفْسِ الْمَطْلُوبِ , وَلَا يُجْعَلُ دَفْعُ الْآخَرِ بَرَاءَةً لِلَّذِي لَمْ يَدْفَعْ ; فَالْحِيلَةُ أَنْ يَضْمَنَا لِلطَّالِبِ هَذَا الرَّجُلَ بِنَفْسِهِ , عَلَى أَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ أَحَدُهُمَا فَهُمَا جَمِيعًا بَرِيئَانِ , فَيَتَخَلَّصُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ , أَوْ يَشْهَدَا