; فَالصَّوَابُ صِحَّةُ الْإِبْرَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ; وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى حِيلَةٍ ; فَإِنْ بُلِيَ بِمَنْ يَقُولُ هَكَذَا فِي الْكِتَابِ وَهَكَذَا قَالُوا ; فَالْحِيلَةُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ , وَلَا فِي تَرِكَتِهِ , وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ الْفَصْلَيْنِ فِي سِجِلٍّ وَاحِدٍ , وَضَمَّنَهُ الْوَصِيَّةَ لَهُ بِهِ إنْ مَاتَ رَبُّ الدَّيْنِ , وَإِنْ مَاتَ الْمَدِينُ فَلَا حَقَّ لَهُ بِهِ قِبَلَهُ , فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ مُسْتَنِدًا إلَى ظَاهِرِ الْإِقْرَارِ , وَهُوَ إبْرَاءٌ فِي الْمَعْنَى.
[اسْتِدْرَاكُ الْأَمِينِ لِمَا غَلِطَ فِيهِ] الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: لَوْ غَلِطَ الْمُضَارِبُ أَوْ الشَّرِيكُ وَقَالَ: " رَبِحْت أَلْفًا " ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ إنْكَارٌ بَعْدَ إقْرَارٍ , وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْغَلَطِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُقْبَلُ , وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا ; فَالْحِيلَةُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ مَا غَلِطَ فِيهِ بِحَيْثُ تُقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: خَسِرْتهَا بَعْدَ أَنْ رَبِحْتهَا , فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ , وَهَكَذَا الْحِيلَةُ فِي اسْتِدْرَاكِ كُلِّ أَمِينٍ لِظِلَامَتِهِ كَالْمُودِعِ إذَا رَدَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي دُفِعَتْ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ , وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى رَدِّهَا , فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ , فَإِذَا خَافَ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فَالْحِيلَةُ فِي تَخَلُّصِهِ أَنْ يَدَّعِيَ تَلَفَهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ , فَإِنْ حَلَّفَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَحْلِفْ مُوَرِّيًا مُتَأَوِّلًا أَنَّ تَلَفَهَا مِنْ عِنْدِهِ خُرُوجُهَا مِنْ تَحْتِ يَدِهِ وَنَظَائِرِ ذَلِكَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَصَرُّفُ الْمَدِينِ الَّذِي اسْتَغْرَقَتْ الدُّيُونُ مَالَهُ] الْمِثَالُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: إنْ اسْتَغْرَقَتْ الدُّيُونُ مَالَهُ لَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِمَا يَضُرُّ بِأَرْبَابِ الدُّيُونِ , سَوَاءٌ حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ , أَوْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ , هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ , وَاخْتِيَارُ شَيْخِنَا , وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ , وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ. وَهُوَ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ غَيْرُهُ , بَلْ هُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ قَدْ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ ; وَلِهَذَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ , وَلَوْلَا تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ , لَمْ يَسَعْ الْحَاكِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ , فَصَارَ كَالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ ; لَمَّا تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ مَنَعَهُ الشَّارِعُ مِنْ التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ , فَإِنَّ فِي تَمْكِينِهِ مِنْ التَّبَرُّعِ بِمَالِهِ إبْطَالَ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنْهُ. وَفِي تَمْكِينِ هَذَا الْمِدْيَانِ مِنْ التَّبَرُّعِ إبْطَالُ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ , وَالشَّرِيعَةُ لَا تَاتِي بِمِثْلِ هَذَا ; فَإِنَّهَا إنَّمَا جَاءَتْ بِحِفْظِ حُقُوقِ أَرْبَابِ الْحُقُوقِ بِكُلِّ طَرِيقٍ , وَسَدِّ الطُّرُقِ الْمُفْضِيَةِ إلَى إضَاعَتِهَا , وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ﴿مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ﴾. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا التَّبَرُّعَ إتْلَافٌ لَهَا , فَكَيْفَ يَنْفُذُ تَبَرُّعُ [مَنْ] دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَاعِلِهِ؟ , وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رحمه الله يَحْكِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْمَذْهَبَ وَيُضَعِّفُهُ , قَالَ: إلَى أَنْ بُلِيَ بِغَرِيمٍ تَبَرَّعَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ , فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ هُوَ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , وَتَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ وَتَرْجَمَتُهُ وَاسْتِدْلَالُهُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ هَذَا الْمَذْهَبَ , فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ: وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَدَّ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَاهُ , فَتَأَمَّلْ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ. قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: أَرَادَ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - حَدِيثَ جَابِرٍ فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ , ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ نَفْسِهِ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ , وَلَهُ عَبْدٌ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهُ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ , ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ: ﴿مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ , وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ﴾ , وَهَذَا الَّذِي