إتْلَافًا أَوْ إرْثًا , وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِعَقْدٍ فَكَأَنَّهُ عَقْدٌ مَعَ الشَّرِيكَيْنِ , فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُطَالِبَ بِمَا يَخُصُّهُ , بِخِلَافِ دَيْنِ الْإِرْثِ وَالْإِتْلَافِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَيْعُ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ] الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْجَزَرِ وَاللُّفْتِ وَالْفُجْلِ وَالْقُلْقَاسِ , وَنَحْوِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ غَيْرُ مُشَاهَدٍ , وَالْوَرَقُ لَا يَدُلُّ عَلَى بَاطِنِهِ , بِخِلَافِ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ. وَعِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ لَا يُبَاعُ حَتَّى يُقْلَعَ , وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ بَيْعُهُ كَذَلِكَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَصْحَابِ الْحُقُولِ. وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ , اخْتَارَهُ شَيْخُنَا , وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فَإِنَّ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ حَتَّى يُقْلَعَ أَعْظَمَ الضَّرَرِ وَالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ الَّذِي لَا تَاتِي بِهِ شَرِيعَةٌ ; فَإِنَّهُ إنْ قَلَعَهُ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ تَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ وَالْفَسَادِ. وَإِنْ قِيلَ: " كُلَّمَا أَرَدْت بَيْعَ شَيْءٍ مِنْهُ فَاقْلَعْهُ " كَانَ فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ , وَإِنْ قِيلَ: " اُتْرُكْهُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَفْسُدَ , وَلَا تَبِعْهُ فِيهَا " فَهَذَا لَا تَاتِي بِهِ شَرِيعَةٌ , وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُفْتُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ لَوْ بُلُوا بِذَلِكَ فِي حُقُولِهِمْ أَوْ مَا هُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ , وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُمْ إلَّا بَيْعُهُ فِي الْأَرْضِ , وَلَا بُدَّ , أَوْ إتْلَافُهُ وَعَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ , وَقَوْلُ الْقَائِلِ: " إنَّ هَذَا غَرَرٌ وَمَجْهُولٌ " فَهَذَا لَيْسَ حَظُّ الْفَقِيهِ , وَلَا هُوَ مِنْ شَانِهِ , وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ شَانِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ. فَإِنْ عَدُّوهُ قِمَارًا أَوْ غَرَرًا فَهُمْ أَعْلَمُ بِذَلِكَ , وَإِنَّمَا حَظُّ الْفَقِيهِ يُحِلُّ كَذَا ; لِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَهُ وَيُحَرِّمُ كَذَا ; لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ , وَقَالَ اللَّهُ وَقَالَ رَسُولُهُ , وَقَالَ الصَّحَابَةُ. وَأَمَّا أَنْ يَرَى هَذَا خَطَرًا وَقِمَارًا أَوْ غَرَرًا فَلَيْسَ مِنْ شَانِهِ بَلْ أَرْبَابُهُ أَخْبَرُ بِهَذَا مِنْهُ , وَالْمَرْجِعُ إلَيْهِمْ فِيهِ , كَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فِي كَوْنِ هَذَا الْوَصْفِ عَيْبًا أَمْ لَا , وَكَوْنِ هَذَا الْبَيْعِ مُرْبِحًا أَمْ لَا , وَكَوْنِ هَذِهِ السِّلْعَةِ نَافِقَةً فِي وَقْتِ كَذَا وَبَلَدِ كَذَا , وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ , وَالْأُمُورِ الْعُرْفِيَّةِ , فَالْفُقَهَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ فِيهَا مِثْلُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. فَإِنْ بُلِيتَ بِمَنْ يَقُولُ: هَكَذَا فِي الْكِتَابِ , وَهَكَذَا قَالُوا فَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ أَنْ تَسْتَاجِرَ مِنْهُ الْأَرْضَ الْمَشْغُولَةَ بِذَلِكَ مُدَّةً يُعْلَمُ فَرَاغُهُ مِنْهَا , وَيُقِرُّ لَهُ إقْرَارًا مَشْهُودًا لَهُ بِهِ أَنَّ مَا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ لَهُ لَا حَقَّ لِلْمُؤَجِّرِ فِيهِ , وَلَكِنَّ عَكْسَ هَذِهِ الْحِيلَةِ لَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ وَضْعِ الْجَائِحَةِ عَنْهُ , بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ , فَإِنَّهُ كَالثَّمَرَةِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ إنْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ , وُضِعَتْ عَنْهُ الْجَائِحَةُ , وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: جَوَازُ بَيْعِهِ , وَوَضْعُ الْجَوَائِحِ فِيهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمُبَايَعَةُ يَوْمِيًّا وَالْقَبْضُ عِنْدَ رَاسِ الشَّهْرِ] الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: اخْتَلَفَتْ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ وَقْتَ الْعَقْدِ , وَصُورَتُهَا: الْبَيْعُ مِمَّنْ يُعَامِلُهُ مِنْ خَبَّازٍ أَوْ لَحَّامٍ أَوْ سَمَّانٍ أَوْ غَيْرِهِمْ , يَاخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا ثُمَّ يُحَاسِبُهُ عِنْدَ رَاسِ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ عَلَى الْجَمِيعِ , وَيُعْطِيهِ ثَمَنَهُ ; فَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ , وَجَعَلُوا الْقَبْضَ بِهِ غَيْرَ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ , وَهُوَ قَبْضٌ فَاسِدٌ يَجْرِي مَجْرَى الْمَقْبُوضِ بِالْغَصْبِ ; لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. هَذَا وَكُلُّهُمْ إلَّا مَنْ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ , وَلَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا , وَهُوَ يُفْتِي بِبُطْلَانِهِ , وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ , وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمُسَاوَمَتِهِ لَهُ عِنْدَ كُلِّ حَاجَةٍ يَاخُذُهَا قَلَّ ثَمَنُهَا أَوْ كَثُرَ , وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ شَرَطَ