تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَيْبٌ أَنَّهُ أَنْشَأَ الْوَقْفَ , لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَفْظُهُ إخْبَارًا عَنْ غَيْرِ مَا عَنَاهُ , وَاَلَّذِي عَنَاهُ لَمْ يُنْشِئْ لَهُ لَفْظًا صَارَتْ الْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةً , وَنَشَأَتْ الشُّبْهَةُ ; وَلَكِنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ مَعَ هَذَا اللَّفْظِ الصَّالِحِ لِلْكِنَايَةِ مَعَ الْفِعْلِ الدَّالِ عَلَى الْوَقْفِ يَقُومُ مَقَامَ التَّكَلُّمِ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُنْشَأُ بِهِ الْوَقْفُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَيْعُ الشَّيْءِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَتِهِ مُدَّةً]: الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: لَوْ بَاعَ غَيْرُهُ دَارًا أَوْ عَبْدًا أَوْ سِلْعَةً ; وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ الْمَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً جَازَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ وَالْمَصْلَحَةُ وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ ; فَإِنْ خَافَ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى بُطْلَانَ هَذَا الشَّرْطِ فَيُبْطِلُهُ عَلَيْهِ ; فَالْحِيلَةُ فِي تَخْلِيصِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوَاطِئَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ عَلَى أَنْ يُؤَجِّرَهُ إيَّاهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ بِمَبْلَغٍ مُعَيَّنٍ ; وَيُقِرَّ بِقَبْضِ الْأُجْرَةِ , ثُمَّ يَبِيعَهُ إيَّاهُ , ثُمَّ يَسْتَاجِرَهُ كَمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ , وَيُقِرَّ لَهُ بِقَبْضِ الْأُجْرَةِ , وَهَذِهِ حِيلَةٌ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ لَا تَتَضَمَّنُ تَحْلِيلَ حَرَامٍ وَلَا تَحْرِيمَ حَلَالٍ.

حِيلَةٌ فِي إسْقَاطِ نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنَةِ] الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْمُطَلَّقَةُ الْبَائِنَةُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا , بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ , وَهِيَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ , وَهِيَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ , فَإِنْ خَافَ الْمُطَلِّقُ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى وُجُوبَ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى أَوْ السُّكْنَى وَحْدَهَا فَالْحِيلَةُ فِي تَخْلِيصِهِ أَنْ يُعَلِّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ ذَلِكَ , فَيَقُولَ: إنْ صَحَّتْ بَرَاءَتُك لِي مِنْ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى أَوْ مِنْ دَعْوَى ذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ; فَلَا يُمْكِنُهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَدَّعِي بِهِمَا أَلْبَتَّةَ. وَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى نَظِيرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَيْهِ لِلنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ , فَإِذَا ادَّعَتْ بِذَلِكَ وَفَرَضَهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ صَارَ لَهَا عَلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي لَهُ عَلَيْهَا , فَإِمَّا أَنْ يَاخُذَ مِنْهَا وَيُعْطِيَهَا وَإِمَّا أَنْ يَتَقَاصَّا.

[حِيلَةٌ فِي الشِّرَاءِ]: الْمِثَالُ الْخَمْسُونَ: إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ غَرِيبٍ فَخَافَ أَنْ تُسْتَحَقَّ أَوْ تَظْهَرَ مَعِيبَةً وَلَا يَعْرِفُهُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِيمَ لَهُ وَكِيلًا يُخَاصِمُهُ إنْ ظَهَرَ ذَلِكَ , فَإِنْ خَافَ أَنْ يَعْزِلَ الْبَائِعُ الْوَكِيلَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْوَكِيلِ نَفْسِهِ وَيُضَمِّنَهُ دَرَكَ الْمَبِيعِ.

[حِيلَةٌ فِي الْوَكَالَةِ الْوَدِيعَةِ] الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: إذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا يَشْتَرِي بِهِ مَتَاعًا مِنْ [بَلَدٍ] غَيْرِ بَلَدِهِ فَاشْتَرَاهُ وَأَرَادَ تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ وَإِقَامَتُهُ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ فَإِنْ أَوْدَعَهُ غَيْرَهُ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَاذَنْ لَهُ رَبُّهُ , وَإِنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ ضَمِنَ أَيْضًا , وَإِنْ اسْتَاجَرَ مَنْ يُوصِلُهُ إلَيْهِ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَامَنُ غَيْرَهُ عَلَيْهِ ; فَالْحِيلَةُ فِي إيصَالِهِ إلَى رَبِّهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْمَالِ بِرَايِهِ , وَأَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ أَوْ أَنْ يُودِعَ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ , فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ الْمُوَكِّلُ وَقَالَ: " لَا يُوَافِينِي بِهِ غَيْرُك " فَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْحِيلَةُ , فَلْيُخْرِجْ نَفْسَهُ مِنْ الْوَكَالَةِ , فَتَصِيرُ يَدُهُ يَدَ مُودِعٍ , فَلَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ , بَلْ مُؤْنَةُ رَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا , فَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ مَالِهِ أَرْسَلَ مَنْ يَاخُذُهُ أَوْ جَاءَ هُوَ فِي طَلَبِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ كَانَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ؟ قِيلَ: لَمَّا دَخَلَ مَعَهُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ فَقَدْ الْتَزَمَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْمَالَ , فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ بِهِ , فَإِذَا أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَكَالَةِ بَقِيَ كَالْمُودِعِ الْمَحْضِ , فَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِجُعْلٍ فَهُوَ كَالْأَجِيرِ فَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ , وَلَا يَمْلِكُ إخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنْ الْوَكَالَةِ قَبْلَ تَوْفِيَةِ الْعَمَلِ كَالْأَجِيرِ.

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٢٨