تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَهَذَا مِنْ بَابِ بَيْعِ السَّاقِطِ بِالْوَاجِبِ , فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ السَّاقِطِ بِالسَّاقِطِ فِي بَابِ الْمُقَاصَّةِ , فَإِنْ بَنَى الْمُسْتَاجِرُ أَوْ أَنْفَقَ عَلَى الدَّابَّةِ , وَقَالَ: أَنْفَقْتُ كَذَا وَكَذَا , وَأَنْكَرَ الْمُؤَجِّرُ , فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَاجِرَ يَدَّعِي بَرَاءَةَ نَفْسِهِ مِنْ الْحَقِّ الثَّابِتِ عَلَيْهِ , وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَنْفَعُهُ إشْهَادُ رَبِّ الدَّارِ أَوْ الدَّابَّةِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِي إنْفَاقَهُ؟. قِيلَ: لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ , وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ أَنْفَقَ شَيْئًا إلَّا بِبَيِّنَةٍ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ أَلَّا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي الْإِنْفَاقِ , وَلَكِنْ يَنْتَفِعُ بَعْدَ الْإِنْفَاقِ بِإِشْهَادِ الْمُؤَجِّرِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يَدَّعِي أَنَّهُ أَنْفَقَهُ , وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّهُ بَعْدَ الْإِنْفَاقِ مُدَّعٍ , فَإِذَا صَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نَفَعَهُ ذَلِكَ , وَقَبْلَ الْإِنْفَاقِ لَيْسَ مُدَّعِيًا , وَلَا يَنْفَعُهُ إشْهَادُ الْمُؤَجِّرِ بِتَصْدِيقِهِ فِيمَا سَوْفَ يَدَّعِيه فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; فَهَذَا شَيْءٌ وَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحِيلَةُ عَلَى أَنْ يُصَدِّقَ الْمُؤَجِّرُ الْمُسْتَاجِرَ فِيمَا يَدَّعِيه مِنْ النَّفَقَةِ؟ قِيلَ: الْحِيلَةُ أَنْ يُسْلِفَ الْمُسْتَاجِرُ رَبَّ الدَّارِ أَوْ الْحَيَوَانِ مِنْ الْأُجْرَةِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ , وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ , ثُمَّ يَدْفَعَ رَبُّ الدَّارِ إلَى الْمُسْتَاجِرِ ذَلِكَ الَّذِي قَبَضَهُ مِنْهُ , وَيُوَكِّلَهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى دَارِهِ أَوْ دَابَّتِهِ , فَيَصِيرَ أَمِينَهُ فَيُصَدِّقَهُ عَلَى مَا يَدَّعِيه إذَا كَانَ ذَلِكَ نَفَقَةَ مِثْلِهِ عُرْفًا , فَإِنْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ , وَهَذِهِ حِيلَةٌ لَا يَدْفَعُ بِهَا حَقًّا , وَلَا يَتَوَصَّلُ بِهَا لَمُحَرَّمٍ , وَلَا يُقِيمُ بِهَا بَاطِلًا.

[خَوْفُ رَبِّ الدَّارِ مِنْ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمُسْتَاجِرُ تَسْلِيمَهَا] الْمِثَالُ الرَّابِعُ: إذَا خَافَ رَبُّ الدَّارِ أَوْ الدَّابَّةِ أَنْ يُعَوِّقَهَا عَلَيْهِ الْمُسْتَاجِرُ بَعْدَ الْمُدَّةِ , فَالْحِيلَةُ فِي أَمْنِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: مَتَى حَبَسْتُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَأُجْرَتُهَا كُلَّ يَوْمٍ كَذَا وَكَذَا , فَإِنَّهُ يَخَافُ مِنْ حَبْسِهَا أَنْ يُلْزِمَهُ بِذَلِكَ.

[اسْتِئْجَارُ الشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ] الْمِثَالُ الْخَامِسُ: لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ , لِذَهَابِ عَيْنِ الْمُسْتَاجَرِ , وَالْحِيلَةُ فِي تَجْوِيزِ هَذَا الْعَقْدِ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ الشَّمْعَةِ أَوَاقِيَّ مَعْلُومَةً , ثُمَّ يُؤَجِّرَهُ إيَّاهَا , فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَشْعَلَ مِنْهَا ذَلِكَ الْقَدْرَ , وَإِلَّا احْتَسَبَ لَهُ بِمَا أَذْهَبَهُ مِنْهَا , وَأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الشَّمْعَةِ كُلَّ أُوقِيَّةٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ , قَلَّ الْمَاخُوذُ مِنْهَا أَوْ كَثُرَ , وَهَذَا جَائِزٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ , وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا , وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ , وَهُوَ مُخَرَّجٌ عَلَى نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ إجَارَةِ الدَّارِ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ , وَقَدْ أَجَرَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ نَفْسَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ , وَلَا مَحْذُورَ فِي هَذَا أَصْلًا , وَلَا يُفْضِي إلَى تَنَازُعٍ وَلَا تَشَاحُنٍ , بَلْ عَمَلُ النَّاسِ فِي أَكْثَرِ بِيَاعَاتِهِمْ عَلَيْهِ , وَلَا يَضُرُّهُ جَهَالَةُ كَمْيَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ الْجَهَالَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ هِيَ الَّتِي تُؤَدِّي إلَى الْقِمَارِ وَالْغَرَرِ , وَلَا يَدْرِي الْعَاقِدُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَدْخُلُ , وَهَذِهِ لَا تُؤَدِّي إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , بَلْ إنْ أَرَادَ قَلِيلًا أَخَذَ وَالْبَائِعُ رَاضٍ , وَإِنْ أَرَادَ كَثِيرًا أَخَذَ وَالْبَائِعُ رَاضٍ , وَالشَّرِيعَةُ لَا تُحَرِّمُ مِثْلَ هَذَا وَلَا تَمْنَعُ مِنْهُ , بَلْ هِيَ أَسْمَحُ مِنْ ذَلِكَ وَأَحْكَمُ. فَإِنْ قِيلَ: لَكِنْ فِي الْعَقْدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَحْذُورَانِ ; أَحَدُهُمَا: تَضَمُّنُهُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ , وَالثَّانِي: أَنَّ مَوْرِدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ يَذْهَبُ عَيْنُهُ أَوْ بَعْضُهُ بِالْإِشْعَالِ. قِيلَ: لَا مَحْذُورَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ عَقْدَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا جَائِزٌ بِمُفْرَدِهِ , كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً وَأَجَرَهُ دَارِهِ شَهْرًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ , وَأَمَّا مَذْهَبُ إجْزَاءِ الْمُسْتَاجِرِ بِالِانْتِفَاعِ فَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَوَّضْ عَنْهُ الْمُؤَجِّرُ , وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ يَقْتَضِي رَدَّ الْعَيْنِ بَعْدَ الِانْتِفَاعِ , وَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ عَقْدُ

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٠٧