فَصْلٌ [الِاحْتِيَالُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْحَقِّ بِطَرِيقٍ مُبَاحَةٍ لَكِنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ لَهُ]. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْتَالَ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى حَقٍّ أَوْ عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ بِطَرِيقٍ مُبَاحَةٍ لَمْ تُوضَعْ مُوَصِّلَةً إلَى ذَلِكَ , بَلْ وُضِعَتْ لِغَيْرِهِ , فَيَتَّخِذُهَا هُوَ طَرِيقًا إلَى هَذَا الْمَقْصُودِ الصَّحِيحِ , أَوْ قَدْ يَكُونُ قَدْ وُضِعَتْ لَهُ لَكِنْ تَكُونُ خَفِيَّةً وَلَا يَفْطِنُ لَهَا , وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلَى مَقْصُودِهَا ظَاهِرًا , فَسَالِكُهَا سَالِكٌ لِلطَّرِيقِ الْمَعْهُودِ , وَالطَّرِيقُ فِي هَذَا الْقِسْمِ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلَى غَيْرِهِ فَيَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ ; فَهِيَ فِي الْفِعَالِ كَالتَّعْرِيضِ الْجَائِزِ فِي الْمَقَالِ , أَوْ تَكُونُ مُفْضِيَةً إلَيْهِ لَكِنْ بِخَفَاءٍ , وَنَذْكُرُ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً يُنْتَفَعُ بِهَا فِي هَذَا الْبَابِ. الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: إذَا اسْتَاجَرَ مِنْهُ دَارًا مُدَّةَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ , فَخَافَ أَنْ يَغْدِرَ بِهِ الْمُكْرِي فِي آخِرِ الْمُدَّةِ وَيَتَسَبَّبَ إلَى فَسْخِ الْإِجَارَة بِأَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِيجَارِ أَوْ أَنَّ الْمُؤَجَّرَ مِلْكٌ لِابْنِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُؤَجَّرًا قَبْلَ إيجَارِهِ , وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمَقْبُوضَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْمُدَّةِ وَيَنْتَزِعُ الْمُؤَجَّرَ لَهُ مِنْهُ ; فَالْحِيلَةُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْمُسْتَاجِرُ دَرَكَ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ , فَإِذَا اُسْتُحِقَّتْ أَوْ ظَهَرَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْهُ , أَوْ يَاخُذُ إقْرَارَ مَنْ يَخَافُ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْعَيْنِ وَأَنَّ كُلَّ دَعْوَى يَدَّعِيهَا بِسَبَبِهَا فَهِيَ بَاطِلَةٌ , أَوْ يَسْتَاجِرُهَا مِنْهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا ثُمَّ يُصَارِفَهُ كُلَّ دِينَارٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ , فَإِذَا طَالَبَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ طَالَبَهُ هُوَ بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ , فَإِنَّهُ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ , وَلَكِنْ يَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ بِهِ فِي آخِرِ الْمُدَّةِ , فَلْيُقَسِّطْ [مَبْلَغَ] الْأُجْرَةِ عَلَى عَدَدِ السِّنِينَ , وَيَجْعَلْ مُعْظَمَهَا لِلسَّنَةِ الَّتِي يَخْشَى غَدْرَهُ فِيهَا. وَكَذَلِكَ إذَا خَافَ الْمُؤَجِّرُ أَنْ يَغْدِرَ الْمُسْتَاجِرُ وَيَرْحَلَ فِي آخِرِ الْمُدَّةِ , فَلْيَجْعَلْ مُعْظَمَ الْأُجْرَةِ عَلَى الْمُدَّةِ الَّتِي يَامَنُ فِيهَا مِنْ رَحِيلِهِ , وَالْقَدْرَ الْيَسِيرَ مِنْهَا لِآخِرِ الْمُدَّةِ
الْمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ يَخَافَ رَبُّ الدَّارِ غَيْبَةَ الْمُسْتَاجِرِ , وَيَحْتَاجُ إلَى دَارِهِ فَلَا يُسَلِّمُهَا أَهْلُهُ إلَيْهِ , فَالْحِيلَةُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُؤَجِّرَهَا رَبُّهَا مِنْ امْرَأَةِ الْمُسْتَاجِرِ , وَيَضْمَنُ الزَّوْجُ أَنْ تَرُدَّ إلَيْهِ الْمَرْأَةُ الدَّارَ وَتُفْرِغَهَا مَتَى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ , أَوْ تَضْمَنُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ إذَا اسْتَاجَرَ الزَّوْجُ ; فَمَتَى اسْتَاجَرَ أَحَدُهُمَا وَضَمِنَ الْآخَرُ الرَّدَّ لَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدُهُمَا مِنْ الِامْتِنَاعِ , وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمُسْتَاجِرُ فَجَحَدَ وَرَثَتُهُ الْإِجَارَةُ وَادَّعَوْا أَنَّ الدَّارَ لَهُمْ نَفَعَ رَبَّ الدَّارِ كَفَالَةُ الْوَرَثَةِ وَضَمَانُهُمْ رَدَّ الدَّارِ إلَى الْمُؤَجِّرِ , فَإِنْ خَافَ الْمُؤَجِّرُ إفْلَاسَ الْمُسْتَاجِرِ وَعَدَمَ تَمَكُّنِهِ مِنْ قَبْضِ الْأُجْرَةِ ; فَالْحِيلَةُ أَنْ يَاخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِأُجْرَةِ مَا سَكَنَ أَبَدًا , وَيُسَمِّيَ أُجْرَةَ كُلِّ شَهْرٍ لِلضَّمِينِ , وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ بِضَمَانِهِ
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَاذَنَ رَبُّ الدَّارِ لِلْمُسْتَاجِرِ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّارِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ يَعْلِفَ الدَّابَّةَ بِقَدْرِ حَاجَتِهَا , وَخَافَ أَنْ لَا يَحْتَسِبَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ الْأُجْرَةِ ; فَالْحِيلَةُ فِي اعْتِدَادِهِ بِهِ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الدَّابَّةُ أَوْ الدَّارُ , وَيُسَمِّي لَهُ قَدْرًا مَعْلُومًا , وَيَحْسِبَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ , وَيُشْهِدَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ أَنَّهُ قَدْ وَكَّلَهُ فِي صَرْفِ ذَلِكَ الْقَدْرِ فِيمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الدَّارُ أَوْ الدَّابَّةُ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تُجَوِّزُونَ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي الْمُضَارَبَةِ بِهِ أَوْ الصَّدَقَةِ بِهِ أَوْ إبْرَاءِ نَفْسِهِ مِنْهُ أَوْ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا , وَيَبْرَأَ الْمَدِينُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: هَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَفِي صُورَةِ الْمُضَارَبَةِ بِالدَّيْنِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ , وَهُوَ الْمَشْهُورُ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ قَبْضَ الْإِنْسَانِ مِنْ نَفْسِهِ وَإِبْرَائِهِ لِنَفْسِهِ مِنْ دَيْنِ الْغَرِيمِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ مَتَى أَخْرَجَ الدَّيْنَ وَضَارَبَ بِهِ فَقَدْ صَارَ الْمَالُ