تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ: أَمَرَ يُوسُفُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ , ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُوَكَّلِينَ وَقَدْ فَقَدُوهُ وَلَمْ يَدْرِ مَنْ أَخَذَهُ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ عَلَى ظَنٍّ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ , مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ لَهُمْ بِذَلِكَ , أَوْ لَعَلَّ يُوسُفَ قَدْ قَالَ لِلْمُنَادِي: هَؤُلَاءِ سَرَقُوا , وَعَنَى أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ مِنْ أَبِيهِ , وَالْمُنَادِي فَهِمَ سَرِقَةَ الصُّوَاعِ فَصَدَقَ يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ , وَصَدَقَ الْمُنَادِي , وَتَأَمَّلْ حَذْفَ الْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ لِيَصِحَّ أَنْ يُضَمِّنَ سَرِقَتَهُمْ لِيُوسُفَ فَيَتِمُّ التَّعْرِيضُ , وَيَكُونُ الْكَلَامُ صِدْقًا , وَذَكَرَ الْمَفْعُولَ فِي قَوْلِهِ: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ وَهُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ , فَصَدَقَ فِي الْجُمْلَتَيْنِ مَعًا تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا , وَتَأَمَّلْ قَوْلَ يُوسُفَ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ إلَّا مَنْ سَرَقَ , وَهُوَ أَخْصَرُ لَفْظًا , تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ , فَإِنَّ الْأَخَ لَمْ يَكُنْ سَارِقًا بِوَجْهٍ , وَكَانَ الْمَتَاعُ عِنْدَهُ حَقًّا ; فَالْكَلَامُ مِنْ أَحْسَنِ الْمَعَارِيضِ وَأَصْدَقِهَا. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الْمَلَكَيْنِ لِدَاوُدَ عليه السلام: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أَيْ غَلَبَنِي فِي الْخِطَابِ , وَلَكِنَّ تَخْرِيجَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى الْمَعَارِيض لَا يَكَادُ يَتَأَتَّى , وَإِنَّمَا وَجْهُهُ أَنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى ضَرْبِ الْمِثَالِ: أَيْ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ الْحُكْمُ بَيْنَنَا. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ الْمَلِكِ لِلثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ: " مِسْكِينٌ وَغَرِيبٌ وَعَابِرُ سَبِيلٍ , وَقَدْ تَقَطَّعَتْ بِي الْحِبَالُ , وَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ بِكَ , فَأَسْأَلُكَ بِاَلَّذِي أَعْطَاكَ هَذَا الْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي هَذَا " وَهَذَا لَيْسَ بِتَعْرِيضٍ , وَإِنَّمَا هُوَ تَصْرِيحٌ عَلَى وَجْهِ ضَرْبِ الْمِثَالِ وَإِيهَامٌ أَنِّي أَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ كَمَا أَوْهَمَ الْمَلَكَانِ دَاوُد أَنَّهُمَا صَاحِبَا الْقِصَّةِ لِيَتِمَّ الِامْتِحَانُ. وَلِهَذَا قَالَ نَصْرُ بْنُ حَاجِبٍ: سُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَعْتَذِرُ إلَى أَخِيهِ مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ فَعَلَهُ , وَيُحَرِّفُ الْقَوْلَ فِيهِ لِيُرْضِيَهُ , لَمْ يَاثَمْ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ بِكَاذِبٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ يَكْذِبُ فِيهِ﴾ فَإِذَا أَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ , وَذَلِكَ إذَا أَرَادَ بِهِ مَرْضَاةَ اللَّهِ , وَكَرِهَ أَذَى الْمُؤْمِنِ , وَيَنْدَمُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ , وَيَدْفَعُ شَرَّهُ عَنْ نَفْسِهِ , وَلَا يُرِيدُ بِالْكَذِبِ اتِّخَاذَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ وَلَا طَمَعًا فِي شَيْءٍ يُصِيبُ مِنْهُمْ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخَّصْ فِي ذَلِكَ , وَرَخَّصَ لَهُ إذَا كَرِهَ مَوْجِدَتَهُمْ وَخَافَ عَدَاوَتَهُمْ. قَالَ حُذَيْفَةُ: إنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ أُقْدِمَ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ الْمَلَكَانِ: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ أَرَادَ مَعْنَى شَيْءٍ وَلَمْ يَكُونَا خَصْمَيْنِ فَلَمْ يَصِيرَا بِذَلِكَ كَاذِبَيْنِ , وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ , وَقَالَ يُوسُفُ: ﴿إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فَبَيَّنَ سُفْيَانُ أَنَّ هَذَا مِنْ الْمَعَارِيضِ الْمُبَاحَةِ.

فَصْلٌ [اسْتِنْبَاطٌ مِنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وَتَعْقِيبٌ عَلَيْهِ]. وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِقِصَّةِ يُوسُفَ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْإِنْسَانِ التَّوَصُّلُ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ مِنْ الْغَيْرِ بِمَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَا مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ. قَالَ شَيْخُنَا رضي الله عنه: وَهَذِهِ الْحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ ; فَإِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ حَبْسَ أَخِيهِ عِنْدَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ , وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَخُ مِمَّنْ ظَلَمَ يُوسُفَ حَتَّى يُقَالُ إنَّهُ قَدْ اقْتَصَّ مِنْهُ , وَإِنَّمَا سَائِرُ الْإِخْوَةِ هُمْ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ , نَعَمْ تَخَلُّفُهُ عِنْدَهُ كَانَ يُؤْذِيهِمْ مِنْ أَجْلِ تَأَذِّي أَبِيهِمْ وَالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ , وَقَدْ اسْتَثْنَى فِي الْمِيثَاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ وَقَدْ أُحِيطَ بِهِمْ , وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ يُوسُفَ بِاحْتِبَاسِ أَخِيهِ الِانْتِقَامَ مِنْ إخْوَتِهِ ; فَإِنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ هَذَا , وَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِيذَاءِ لِأَبِيهِ.

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ١٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ١٤١