تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فِي ذَلِكَ [مِنْ] إفْسَادِ مِيَاهِ النَّاسِ وَمَوَارِدِهِمْ مَا لَا تَاتِي بِهِ شَرِيعَةٌ , فَحِكْمَةُ شَرِيعَتِهِ اقْتَضَتْ الْمَنْعَ مِنْ الْبَوْلِ فِيهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ سَدًّا لِذَرِيعَةِ إفْسَادِهِ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ; فَإِنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ كَمَا عَلَّلَ بِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ الِاحْتِكَارِ , وَقَالَ: " لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ " فَإِنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ أَقْوَاتَهُمْ , وَلِهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ احْتِكَارِ مَا لَا يَضُرُّ النَّاسَ. الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ ; لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى مَنْعِ فَضْلِ الْكَلَأِ كَمَا عَلَّلَ بِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ , فَجَعَلَهُ بِمَنْعِهِ مِنْ الْمَاءِ مَانِعًا مِنْ الْكَلَأِ ; لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَوَاشِي إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الشُّرْبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْمَرْعَى الَّذِي حَوْلَهُ.

الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ إقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ , لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى قَتْلِ مَا فِي بَطْنِهَا , كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ﴿لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ لَأَمَرْت فِتْيَانِي أَنْ يَحْمِلُوا مَعَهُمْ حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ فَأُخَالِفَ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ﴾ فَمَنْعُهُ مِنْ تَحْرِيقِ بُيُوتِهِمْ الَّتِي عَصَوْا اللَّهَ فِيهَا بِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ الْجَمَاعَةِ كَوْنُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى عُقُوبَةِ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ.

الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ إدَامَةِ النَّظَرِ إلَى الْمَجْذُومِينَ , وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ يُصَابُوا بِإِيذَائِهِمْ , وَهِيَ مِنْ أَلْطَفِ الذَّرَائِعِ , وَأَهْلُ الطَّبِيعَةِ يَعْتَرِفُونَ بِهِ , وَهُوَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ , وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّهُ جَلَسَ قَرَابَةٌ لَهُ يُكَحِّلُ النَّاسَ فَرَمِدَ ثُمَّ بَرِئَ , فَجَلَسَ يُكَحِّلُهُمْ فَرَمِدَ مِرَارًا , قَالَ: فَعَلِمْت أَنَّ الطَّبِيعَةَ تَنْتَقِلُ , وَأَنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ مَا يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ فِي أَعْيُنِ الرُّمْدِ نَقَلَتْ الطَّبِيعَةُ الرَّمَدَ إلَى عَيْنَيْهِ , وَهَذَا لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ نَوْعِ اسْتِعْدَادٍ , وَقَدْ جُبِلَتْ الطَّبِيعَةُ وَالنَّفْسُ عَلَى التَّشَبُّهِ وَالْمُحَاكَاةِ.

الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى الرَّجُلَ أَنْ يَنْحَنِيَ لِلرَّجُلِ إذَا لَقِيَهُ﴾ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالسُّنَّةِ , بَلْ يُبَالِغُونَ إلَى أَقْصَى حَدِّ الِانْحِنَاءِ مُبَالَغَةً فِي خِلَافِ السُّنَّةِ جَهْلًا حَتَّى يَصِيرَ أَحَدُهُمْ بِصُورَةِ الرَّاكِعِ لِأَخِيهِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَاسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ كَمَا يَفْعَل إخْوَانُهُمْ مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ شُيُوخِهِمْ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ; فَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا مِنْ الصَّلَاةِ سُجُودَهَا , وَأُولَئِكَ رُكُوعَهَا , وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ قِيَامَهَا يَقُومُ عَلَيْهِمْ النَّاسُ وَهُمْ قُعُودٌ كَمَا يَقُومُونَ فِي الصَّلَاةِ , فَتَقَاسَمَتْ الْفِرَقُ الثَّلَاثُ أَجْزَاءَ الصَّلَاةِ , وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ انْحِنَاءِ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ , كَمَا نَهَى عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ , وَكَمَا نَهَاهُمْ أَنْ يَقُومُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى رَاسِ الْإِمَامِ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أَنَّ قِيَامَهُمْ عِبَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى , فَمَا الظَّنُّ إذَا كَانَ الْقِيَامُ تَعْظِيمًا لِلْمَخْلُوقِ وَعُبُودِيَّةً لَهُ؟ فَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

الْوَجْهُ التِّسْعُونَ: أَنَّهُ حَرَّمَ التَّفْرِيقَ فِي الصَّرْفِ وَبَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِمِثْلِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً إلَى التَّاجِيلِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ بَابِ الرِّبَا , فَحَمَاهُمْ مِنْ قُرْبَانِهِ بِاشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فِي الْحَالِ , ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ فِيهِمْ التَّمَاثُلَ , وَأَنْ لَا يَزِيدَ

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ١٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ١٠٨