وقد عني علماء الحديث بالسنة عناية تامة يسرت السبل لمن يريد العلم بها. فأولاً ميزوا بين المتواتر منها وبين الآحاد. وميزوا بين الصحيح والضعيف. وصار العالم غير محتاج إلى بذل جهد في سند الحديث للوقوف على مرتبته، فكل حديث من الميسور معرفة أنه متواتر أو غير متواتر، وصحيح أو حسن أو ضعيف. وثانياً رتبوا الأحاديث على أبواب الفقه، وجمعوا أحاديث كل نوع في باب على حدة، فأحاديث البيع في باب البيع ــــ وكذا أحاديث الرهن والربا والسرقة والزنى، والقذف، وكل فرع من فروع العبادات والمعاملات والعقوبات أو غيرها وثالثاً، عمد العلماء إلى كتب السنن الصحاح الستة، وهي صحاح: البخاري ومسلم، وأبي داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وجمعوا ما فيها بحيث يستطيع الباحث أن يقف على ما في هذه الصحاح كلها في البيع وما فيها كلها في الإجارة. وهكذا فمن رجع إلى كتاب جامع لهذه الكتب الستة مثل كتاب «التاج الجامع للأُصول الستة» ورجع معها إلى كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس وكتاب «منتقى الأخبار» لابن تيمية ــــ يعني جد شيخ الإسلام ــــ وشرحه «نيل الأوطار» للشوكاني ترجح عنده أنه لم تغب عنه سنة تشريعية في الواقعة التي يبحث فيها. وأمكنه أن يحكم على علم بأن الواقعة التي عرضت، دلّ على حكمها نص في السنة أو ظاهر من ظواهرها، أو لم يدل على حكمها من السنة نص ولا ظاهر. وإذا وقف على نص في السنة، بحث عن سبب ورود هذا النص، وهل هو محكم أو منسوخ وما ناسخه. وهل يعارض نص آخر أو لا يعارضه نص. وإذا وقف على ظاهر فيها بحث أيضاً عن سبب وروده وهل هو محكم أو منسوخ، وهل هو معارض أو غير معارض، وهل هو على ظاهره أو مؤول، وما دليل تأويله، وعلى ضوء هذه البحوث يستدل على حكم الواقعة من السنة إذا وجد.
الاجتهاد والمجتهدون بالأندلس والمغرب · الصفحة ٦٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الاجتهاد والمجتهدون بالأندلس والمغربص ٦٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي