وقد عرف الفكر الإسلامي وخصوصاً في الغرب الإسلامي صراعاً عنيفاً حول الأشخاص، فقد كان مقلدة المالكية يركزون على (مناقب) الإمام مالك مثلاً وأحقية مذهبه بالاتباع، مع التأكيد على أن الأمر قد استقر على التزام (تقليد) مذاهب معينة لا مجال للتفكير في الخروج عنها أو مخالفتها، وإنما المجال الوحيد الباقي هو المفاضلة بينها والنتيجة المحتومة التي لا محيد عنها لهذه المقارنة هي أفضلية (المذهب المالكي وأحقيته وحده) (بالتقليد) والاتباع، مثل ما نجد عند القاضي عياض في مقدمة (ترتيب المدارك)، بينما كان أعداء التقليد المذهبي من أنصار الحديث مثل عبد الله بن حزم وأتباعه ينكرون ادعاء القول بعصمة أحد غير الأنبياء كائناً من كان، ويلحون على تكامل الفكر الإسلامي السني وإمكانية إصابة أي مجتهد أو خطئه ولذلك كان كثير من فقهاء المالكية يغالون في الطعن في ابن حزم والنيل منه في إقذاع وفحش متناهيين في كثير من الأحيان، بينما يغلو بعض أنصار ابن حزم من جهتهم في تقديسه وتعظيمه، وكانت هذه المعركة على أشدها على عهد ابن المناصف.
وقد درس ابن المناصف فقه الرأي المالكي على أعلامه، حتى صار مبرزاً في معرفة الشروط، بصيراً بعللها، وكان شديد العناية بكتابة التلقين جيد النظر في فقهه، وتبيين غوامضه، كما قدمنا.
كما روى الحديث عن أعلامه، ومن بينهم أبو الخطاب ابن (دحية الظاهري).
آراؤه الأصولية والفقهية
وفي ضوء هذا الجو الفكري الذي نشأ فيه ابن المناصف وتعلم وتكون، نحاول التعرف على آرائه الخاصة.
ولما كانت الاختيارات الفقهية نتيجة لاختيارات أصولية سابقة، فمن الضروري التعرف أولاً على بعض اختياراته الأصولية التي نجدها في المعلم الثاني من (الدرة السنية).
1 ــــ فخبر الآحاد ــــ وإن كان لا يفيد علماً ضرورياً ــــ فإن الله تعبد العباد به، خلافاً لمن أحال التعبد به عقلاً، ولمن منع التعبد به شرعاً.