وإما رجل رقيق الحياء، قليل الدين، ينال منه تعصباً لأهل مذهبه أو غير ذلك، لينال من دنياه ما أحب... قد اعتاض عما عند الله تعالى بأن يقال عنه إنه كان ناصر المذهب كذا، مصمماً عليه، وهو يدري أن ما ناله من أبي محمد ــــ رحمة الله عليه ــــ لا يجوز عقلاً ولا شرعاً ــــ إن كان مصدقاً بالشرع.
ويتصدى ابن خليل في الفصل الثالث للدفاع عن ابن حزم فيما أخذ عليه من سلاطة لسانه وإقذاعه في نسب مخالفيه، فيقول:
(إن أكثر من أثنى على أبي محمد رحمه الله ــــ وأخذه في شيء، وهو أنه أطلق لسانه وقلمه على قوم من المتعصبين بالثلب والسب، والنيل منهم، وكأنهم رأوا هذا خطأ، وأنه أتى ما لا يجوز فعله، وعيب عليه ذلك في تصانيفه، قال: وأنا أقول: إنه ليس خطأ، بل هو قربة إلى الله تعالى، وجهاد فيه، وزين للتأليف.
وبيان ذلك أن الخلاف لما وقع بين السلف الصالح ــــ رضي الله عنهم ــــ لم يقدح بسببه بعضهم في بعض، ولا عادى عليه أحد أحداً، بل قد يوجد بين رجلين منهم الصحبة المؤكدة والخلاف في مسائل كثيرة، لأنهم كانوا لا يراعون في ذلك إلا وجه الله تعالى.
ثم خلف من بعدهم خلف جعلوا طلب العلم سبباً لنيل دنياهم، ومرقاة يبلغون بها من الترؤس مناهم فتعصب قوم لقوم عمل أهل الدولة في ذلك العصر بقولهم، أما وفاقاً لمن تقدم، أو استحساناً منهم لذلك، فبالغ هؤلاء في التعصب لأقوالهم).