منه يأجوج ومأجوج إلى ما جاورهم من الناس، فيفسدون قتلاً،
وسلباً، ونهباً، وتخريباً. فلما وصل إليهم ذو القرنين شكوا إليه ما يلقون من يأجوج ومأجوج، فقالوا: {{فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ
بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}} يريدون فقط ذلك الريع والفجوة التي بين
الجبال. فقال ذو القرنين: {﴿مَا مَكَّنْنِي فِيهِ رَبِّي﴾} أي من الملك،
والقوة، وكمال العدد والعدة (1)، وحسن النظام، وسعة الرزق،
خيرٌ لي من ما تبذلون لي من الجعل. {﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾} أي ساعدوني بأبدانكم، وقوتكم، على بنيانه {﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾} ولم يقل: سداً، لأن السدين، وهما سلاسل الجبال، موجودان. وإنما يريد ردم ما بينهما، وسده فقط. {﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾} أي قطع الحديد. {﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾} أي حاذى ذلك الحديد الذي جمعوه، ووضعوه في ذلك الريع، رؤوس الجبال {﴿قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾} أي نحاساً مذاباً، ليلتحم بالحديد، فاستحكم ذلك البنيان، ووازن الجبال، وحجز به بين يأجوج ومأجوج ومجاوريهم، وحمد الله الذي أجرى هذه النعمة على يده، وقال: {﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾}.
(1) - في المخطوط: (وكما العدة والعدة) مكررة.